ما الذي وصل إليه الإنسان أولا: إنتاج البيرة أم الخبز؟ وصل النقاش الأثري البالغ من العمر 60 عاما إلى ذروة جديدة، حيث أن دراسة جديدة لجامعة ستانفورد لثلاث أدوات حجرية عمرها حوالي 13,000 عاما، تقدم أقدم دليل مادي على عملية تخمير البيرة.

اكتشف فريق دولي من العلماء بقايا من ادوات حجرية استخدمها النطوفيين شبه الرحّل بالقرب من موقع لمقبرة يدعى ’كهف ركيفيت‘، في جبال الكرمل بالقرب من حيفا، وفقا لمقال نشر في أخبار ستانفورد. حيث عاش النطوفيين في بلاد الشام بين العصرين الحجري والنحاسي.

ويأتي هذا الاكتشاف في أعقاب تقرير شهر يوليو الذي اكتشف فيه علماء الآثار الذين يعملون في شمال شرق الأردن بقايا خبز متفحمة كبقايا للنطوفيون حوالي قبل 11,600 إلى 14,600 سنة. ووفقا لعلماء جامعة ستانفورد، فإن بقايا البيرة القديمة تأتي من 11,700 إلى 13,700 عاما، ومن المحتمل أنها تسبق انتاج الخبز.

بغض النظر عن أيها جاء أولا، فإن كل من إنتاج الجعة وإنتاج الخبز يسبقان دليلا على وجود الحبوب البيتية في بلاد الشام، والتي وصلت بعد 4000 عام تقريبا.

هيكل حجري في موقع شبيقة 1 الأثري في شمال شرق الأردن، حيث تم العثور على خبز قديم. الموقد حيث تم طهي الخبز في الوسط. (Alexis Pantos)

ستنشر النتائج التي توصل إليها فريق جامعة ستانفورد في طبعة أكتوبر 2018 من مجلة علم الآثار في مقال بعنوان “المشروبات المخمرة وتخزين المواد الغذائية في الأدوات الحجريّة التي يعود تاريخها إلى 13,000 عام في كهف ركيفيت، إسرائيل: بحث في الطقوس الاحتفالية النطوفية”.

من خلال التحليل المخبري، اكتشف الفريق أن النطوفيين القدماء استخدموا سبع أنواع من عائلات نباتية، “بما في ذلك القمح أو الشعير والشوفان والبقوليات والألياف الحميدة (بما في ذلك الكتان)”، وفقا للمقال.

“كانوا يخزنون الأطعمة النباتية، بما في ذلك القمح/الشعير المخفوق، في حاويات مصنوعة من الألياف وتخزينها في أدوات صخرية. استخدموا الأدوات الصخرية لتخمير وطهي الأطعمة النباتية، بما في ذلك تخمير البيرة/الشعير التي من المحتمل أنه تم تقديمها في ولائم طقوسية قبل 13,000 سنة”، كتب العلماء.

يقف فريق من جامعة ستانفورد وعلماء الآثار الإسرائيليين في مدخل كهف ركيفيت، حيث وجدوا دليلاً على أقدم كحوليات من صنع الإنسان في العالم. من اليسار، داني نادل، لي ليو، جيجنغ وانغ، وهاو زاهو. (Image credit: Li Liu)

وفقا لقائدة الفريق لي ليو، وأستاذ السير روبرت هو تونغ في علم الآثار الصينية في كلية العلوم الإنسانية والعلوم في ستانفورد، “يمثل هذا أقدم سجل للكحول المصطنعة في العالم”.

“لقد تم التكهن منذ فترة طويلة أن العطش للجعة قد يكون الحافز وراء تدجين الحبوب، ما أدى إلى تغيير اجتماعي تكنولوجي كبير في تاريخ البشرية. لكن هذه الفرضية كانت مثيرة للجدل إلى حد كبير”، كما يقول باحثو ستانفورد. “نحن نقدم تقريرا عن أقدم الأدلة الأثرية لتخمير البيرة على أساس الحبوب شبه مستقر، بحثا عن الطعام”.

كيفية إبتكار المشروب القديم

لم يكن فريق ستانفورد في محاولة لإخماد فضولهم حول إنتاج البيرة عندما بدأوا دراستهم على حجارة كهف ركيفيت.

علماء الآثار ينقبون في كهف ركيفيت حيث تم اكتشاف مصنع الجعة الذي يعود تاريخه إلى 13000 عام، في أغسطس عام 2018. (Dani Nadel, University of Haifa)

“أردنا فقط أن نحقق ما هي الأغذية النباتية التي قد يستهلكها الناس بسبب قلة البيانات المتوفرة في السجل الأثري”، أخبرت ليو جامعة ستانفورد نيوز.

بعد التحليل المخبري، افترض الفريق أن صناعة البيرة النطوفية شملت عملية من ثلاث مراحل: إنتاج الشعير من نشا القمح أو الشعير من خلال إنبات الحبوب، تسخين الشعير المهروس، وأخيرا التخمر من خلال مساعدة الخميرة البرية.

الموقع والتحف التي تم تحليلها. (أ) موقع كهف ركيفين وثلاثة مواقع نطوفية إضافية في جبال الكرمل؛ (ب) صور ميدانية للأدوات الحجرية المدروسة؛ (ج) إعادة بناء وظيفي للأدوات الحجرية: صخرة واحدة تستخدم لتخزين النباتات في سلة مع لوح من الحجر على القمة، والأخرى تستخدم للطهي وتخمير البيرة. (Credits to Elsevier, Journal of Archaeological Science: Reports Credits for photos: Dror Maayan; Graphic design: Anat Regev-Gisis)

لاختبار فرضيتهم، أعاد العلماء صنع المشروب القديم في المختبر.

لم يتم إحضار أي مختص في مجال الكحول حتى الآن لفحص طعم الشراب. لكن طهو العديد من الحبيبات المطبوخة المختلطة كان يمكن أن يكون عبارة عن هريس رقيق، أو عصيدة، بدلا من المشروب الغامض الشائع والمحبوك حول العالم اليوم، وذلك وفقا لما ذكره المؤلف المشارك جيجنغ وانغ، وهو طالب دكتوراه في قسم اللغات والثقافات الشرق آسيوية في جامعة ستانفورد.

على مسار التاريخ

كان النطوفيين من بين أول من قاموا بتدجين الحبوب. ووفقا لجامعة كوبنهاغن، فإن عالم الآثار توبياس ريختر، الذي قاد الحفريات التي تم اكتشافها في شبيقة 1 والتي اكتشفت الخبز المتفحم، قال: “إن صيادي النطوفيين هم مركز إهتمام بالنسبة لنا بشكل خاص لأنهم عاشوا في فترة انتقالية عندما أصبح الناس أكثر استقرارًا ونظامهم الغذائي بدأ يتغير”.

اكتشفت المدافن البشرية (هومو 18) في موقع القبر النطوفي في كهف راكيفيت بالقرب من جبل الكرمل في إسرائيل. (Dani Nadel, CC-BY-SA, via wikipedia)

ومع ذلك، على ما يبدو أنه حتى قبل أن يصبح الخبز مصدرا رئيسيا لإستمرارية الحياة، أعطته البيرة معنى.

“كان صنع البيرة جزءا لا يتجزأ من الطقوس والاحتفال، وهي آلية تنظيمية اجتماعية في المجتمعات الهرمية”، قالت وانغ من ستانفورد.

تم اكتشاف كهف ركيفيت في عام 1956 وحفر لأول مرة في 1970، ثم مرة أخرى لعدة مواسم من عام 2004 من قبل علماء الآثار الإسرائيليين من جامعة حيفا. بالإضافة إلى هذا الاكتشاف الجديد لأول إنتاج كحولي من صنع الإنسان، يوفر الكهف أيضا أحد أقدم الأدلة على استخدام أسِرَة الزهور في مواقع المقابر المكتشفة تحت هياكل بشرية.

“بقايا النطوفيين في كهف ركيفيت لا تتوقف عن دهشنا”، قال البروفيسور المشارك في البحث داني نادل من معهد زنمان للآثار بجامعة حيفا في بيان صحفي. “لقد كشفنا عن منطقة دفن نطوفية تضم حوالي 30 فردا، وهي عبارة عن ثروة من الاكتشافات الصغيرة مثل أدوات الصوان، عظام الحيوانات، وأدوات الحجر الأرضية، وحوالي 100 من أدوات الطعام والشراب. تم الحفاظ على بعض الهياكل العظمية بشكل جيد حيث توفر تواريخ مباشرة وحتى الحمض النووي البشري، ولدينا دليل على الدفن بالزهور.

داخل كهف ركيفيت حيث تم اكتشاف مصنع بيرة يعود ألى 13،000 عام ، أغسطس 2018. (Dani Nadel, University of Haifa)

“والآن، مع إنتاج البيرة، لا يزال كهف ركيفيت يوفر صورة حية وملونة للغاية للنطوفيين، والقدرات التكنولوجية والاختراعات الخاصة بهم”، قال.

وافترضت ليو من جامعة ستانفورد أن إنتاج الجعة كان ذا طبيعة دينية لأن إنتاجه وجد بالقرب من المقابر.

“هذا الاكتشاف يشير إلى أن صنع الكحول ليس بالضرورة نتيجة لإنتاج الفائض الزراعي، ولكن تم تطويره لأغراض الطقوس والاحتياجات الروحية، على الأقل إلى حد ما، قبل الزراعة”، قالت.

مضيفة: “كان صنع الكحول وتخزين المواد الغذائية من بين الابتكارات التكنولوجية الرئيسية التي أدت في نهاية المطاف إلى تطوير الحضارات في العالم، والعلم الأثري وسيلة قوية للمساعدة في الكشف عن أصولها وفك شفرة محتوياتها. نحن متحمسون لإتاحة الفرصة لنا لتقديم نتائجنا، والتي تسلط الضوء على تاريخ أعمق من المجتمع البشري”.