أصبح مستشفى ميداني تقوم ببنائه مجموعة إغاثة مسيحية إنجيلية أمريكية في شمال قطاع غزة مثار جدل بين القيادة الفلسطينية في رام الله وحركة “حماس” التي تسيطر على القطاع الساحلي.

وقال مسؤول في الضفة الغربية إن المشروع، الذي يرعاه متبرعون مؤيدون لإسرائيل، هو واجهة لعمليات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية، وهو ادعاء يقول قادة غزة إن “لا أساس له من الصحة”.

خلال الأشهر القليلة الماضية، دخلت شاحنات تحمل مواد ومعدات للمستشفى غزة، والتي تعاني من نقص في البنية التحتية الصحية. الآن بدأ متطوعون أمريكيون تابعون لمجموعة الإغاثة “فريند شيبس” (Friend Ships) في بناء المنشأة الطبية المتاخمة لمعبر إيرز، وهو المعبر الحدودي الوحيد للمشاة بين إسرائيل والقطاع.

وأظهرت صور تم نشرها على موقع “فيسبوك” في الأسبوع الماضي المتطوعين وهم يقومون بنصب الخيام على مسافة قصيرة من السياج الفاصل بين إسرائيل وغزة.

بناء المستشفى هو جزء من التفاهمات غير الرسمية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، والتي احتجت عليها القيادة الفلسطينية في رام الله بشدة.

من سوريا إلى غزة

منظمة “فريند شيبس”، التي عبّر مؤسساها الإنجيليان دون وسوندرا تيبتون عن تأييدهما القوي لإسرائيل، وصفت المشروع بأنه “مرفق طبي متنقل متعدد الأوجه (مكون من خيام)”.

وقالت المنظمة في موقعها على شبكة الإنترنت، “سيكون لدينا [نظام الرعاية الصحية عن بعد] للتشاور مع خبراء من جميع أنحاء العالم، ومنطقة لعب كبيرة للأطفال، وبرنامج تدريب على الزراعة في الماء ومركز توزيع”.

وتخطط “فريند شيبس”، التي تتخذ من لويزيانا مقرا لها، في النهاية توفير مجموعة واسعة من الخدمات الصحية في المستشفى، بما في ذلك علاج السرطان والعلاج الطبيعي وعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة ورعاية الأسنان، من بين أمور أخرى، وفقا للموقع الإلكتروني للمنظمة.

وسيتضمن المستشفى معدات استخدمتها “فريند شيبس” لمشروع مماثل قريب من سوريا، بحسب ما ذكره موقع “ألمونيتور” الإخباري، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، في شهر يونيو.

كما قامت المنظمة بتشغيل مستشفى ميداني في الجولان في 2017-2018 بموافقة من إسرائيل، حيث قدم الطاقم الطبي فيه العلاج لأكثر من 7 آلاف سوري.

وسيشمل المرفق الطبي في غزة 16 جناحا مع “التركيز على تشخيص المرضى الذين يعانون من أمراض وراثية أو أمراض مهددة للحياة” ويتلقى تمويلا من الحكومة القطرية، وفقا لألمونيتور.

وقال محمد العمادي، المبعوث القطري الذي تربطه اتصالات مع حركة حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، في مؤتمر صحفي في شهر مايو إن المستشفى سيشغل مساحة تعادل 40 دونما.

اكتشاف إسرائيل في نهاية الأسبوع

وقامت المنظمة أيضا بنشر إعلانات لفرص للتطوع في المستشفى، سلطت فيها الضوء على فرصة السفر عبر إسرائيل في أيام العطلة.

وكُتب عبر الموقع الإلكتروني للمنظمة، “سيتيح مخيم فريند شيبس فرصة رائعة في مشروع مهم ومثمر وفي الوقت نفسه فرصة رؤية المواقع التوراتية في إسرائيل والتمتع بها”.

وكُتب في منشور على صفحة “فريند شيبس” عبر “الفيسبوك” إن المتطوعين سيتعلمون عن المنطقة و”يصبحون جزءا مما يفعله الرب اليوم هناك”.

وتحدثت سوندرا تيبتون، إحدى مؤسسي المنظمة، لوسيلة إعلامية في لويزيانا في عام 2015 عن شغفها بإسرائيل: “نشعر أنه من المهم أن يدرك الأشخاص أن إسرائيل هي دولة ديمقراطية حقيقية وصديق حقيقي للولايات المتحدة وثم من وجهة نظر مسيحية، يؤكد الكتاب المقدس على أن أرض إسرائيل هي قرة عين الرب وكيف أن علينا، كمؤمنين بيسوع، الوقوف إلى جانب الإسرائيليين”.

توضيحية: مصاب فلسطيني يصل الى احدى المستشفيات لتلقي العلاج في أعقاب غارة جوية إسرائيلية في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، 8 ديسمبر، 2017. (AFP/Mohammed Abed)

ورفض كل من “فريند شيبس” والجيش الإسرائيلي ومنسق أعمال الحكومة في الأراضي، وهو الفرع المسؤول عن التواصل مع الفلسطينيين في وزارة الدفاع، التعليق.

خلاف يختمر بين الفصائل الفلسطينية

لكن في الأسبوع الماضي، تحول المستشفى إلى مصدر خلاف حاد بين حركتي “فتح” و”حماس”.

بعد أن تحدثت مواقع إخبارية فلسطينية عن صور المتطوعين يوم الثلاثاء الماضي، والتي تم نشرها على صفحة المنظمة على فيسبوك، هاجم عدد من أعضاء حركة فتح ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية المشروع.

وقال المسؤول الكبير في فتح، عزام الأحمد، لـ”تلفزيون فلسطين”، القناة التلفزيونية الرسمية للسلطة الفلسطينية، يوم الإثنين إن المستشفى يخدم أهدافا “عسكرية واستخباراتية وأمنية”. في وقت لاحق، أكد “لتايمز أوف إسرائيل” أنه كان يشير إلى المخابرات الأمريكية والإسرائيلية.

واتهم رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية المستشفى يوم الاثنين بخدمة خطة إدارة ترامب للسلام.

وأعرب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واصل أبو يوسف، في حديث مع تايمز أوف إسرائيل يوم الثلاثاء عن اعتقاده بأن المستشفى يعمق من الانقسام بين الضفة الغربية وغزة لأن التخطيط له وبناؤه لم يتما بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية.

منذ ذلك الحين قامت “فريند شيبس” بإزالة جميع منشوراتها المتعلقة بالمستشفى عن صفحتها على فيسبوك ومحو جميع المعلومات الأخرى المتعلقة به من موقعها الإلكتروني.

من جهتها، رفضت حركة حماس مزاعم المسؤولين الفلسطينيين في رام الله، وقالت إن لا أساس لها من الصحة.

وقال المتحدث بإسم حركة حماس، حازم قاسم، لموقع “دنيا الوطن” الإخباري في غزة يوم الثلاثاء إن “تصريحات رئيس الوزراء محمد اشتية، وعضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، مبنية على معطيات كاذبة لا أساس لها من الصحة”، وأضاف: “نسجوا بعض المعلومات من وحي الخيال، لا تستند إلى شيء”.

وشكك أيضا خليل الحية، نائب رئيس حركة حماس في غزة، بنوايا منتقدي المستشفى، لكنه قال إن الحركة لن تتردد في إغلاق المشروع اذا تبين لها أن المشروع الإنساني يتعارض مع مصالحها.

الزعيم السياسي البارز لحماس، خليل الحية، خلال مؤتمر صحفي في نهاية يومين من المحادثات المغلقة حضره ممثلو 13 حزبا سياسيا بارزا في العاصمة المصرية القاهرة في 22 نوفمبر 2017. (AFP/Mohamed El-Shahed)

وقال لموقع “فلسطين اليوم” التابع لحركة “الجهاد الإسلامي يوم الثلاثاء: “المستشفى الأمريكي تحت سمعنا وبصرنا واذا قدم خدمات بلا أثمان ولم يخل بمصالحنا الوطنية أو الأمنية سنقدم له الشكر واذا وجد أي إخلال سنقول له غادر”.

ووصف مصدر مطلع على تفاصيل المشروع، الذي طلب عدم ذكر اسمه، المزاعم ضد المستشفى بأنها “هراء تام”.

ورفض مسؤول في وزارة الصحة التي تديرها حماس في غزة التعليق بالتحديد على موضوع المستشفى، لكنه قال إن وزارته ترحب بأي جهود لتحسين قطاع الصحة في غزة.

وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، في مكالمة هاتفية، إن “القيود الإسرائيلية على حركة البضائع والأشخاص قد قوضت القطاع الصحي تماما. إننا نتعامل مع نقص كبير في مستشفياتنا من حيث الأدوية والإمدادات الطبية”، وأضاف: “لذلك نحن نعتقد أن أي جهود للتخفيف من هذه الظروف الصعبة هي امر ايجابي”.

ويقول مسؤولون إسرائيليون إن القيود المفروضة على الحركة في غزة تهدف إلى منع الفصائل المسلحة في غزة من استيراد الأسلحة أو الوسائل لصنعها الى داخل القطاع.

وأعرب طلال عوكل، وهو محلل مقيم في غزة، عن اعتقاده بأن المستشفى يظهر أن تفاهمات وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل تمضي قدما.

وقال عوكل في مكالمة هاتفية: “هذه دلالة واضحة على أن حماس وإسرائيل تتقدمان في التفاهمات… ولكن ما نحتاجه فعلا في غزة هو تحسين المستشفيات ومراكز الصحة القائمة. لسنا بحاجة إلى مستشفى ميداني”.

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.