يهود، إسرائيل – حدثت عملية الإطلاق في الوقت المحدد تماما في الساعة 3:45 فجرا بتوقيت إسرائيل، مما أثار هتافات ابتهاج صاخبة من الكافتيريا في شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، حيث احتشد 500 موظف وعائلاتهم لمشاهدة إطلاق مهمة القمر التاريخية الإسرائيلية.

وتأمل إسرائيل في أن تصبح الدولة الرابعة في العالم التي تقوم بوضع مركبة فضائية على القمر، مع إطلاق المركبة الفضائية غير المأهولة “بريشيت” من قاعدة “كيب كانافيرال” في ولاية فلوريدا الأمريكية. في حال نجاح المهمة، ستكون المركبة الفضائية رباعية الأرجل والتي يبلغ وزنها 160 كيلوغراما (350 باوند من دون وقود)، بوزن سيارة تقريبا، أصغر وأرخص مركبة فضائية تهبط على القمر.

ولكن بعد الهتافات، خيم الصمت على الغرفة، وحبس المهندسون أنفاسهم في الوقت الذي خرج فيه الصاروخ من الغلاف الجوي للأرض وبلغ ارتفاعه حوالي 69,000 كيلومترا.

في الساعة 4:23 فجرا، سُمعت هتافات ابتهاج أخرى عندما تلقى مركز القيادة في يهود، مقر الصناعات الفضائية الإسرائيلية، البيانات الأولى من بريشيت مع استعداد المركبة الفضائية للانفصال عن الصاروخ. في الساعة 4:25 فجرا انفصلت بريشيت عن صاروخ “فالكون 9” الذي أطلقها إلى الفضاء وقامت ببسط أرجلها في أول اختبار لقدرتها على العمل من تلقاء نفسها. وستسافر المركبة الآن حوالي سبعة أسابيع قبل أن تصل إلى القمر في 11 أبريل.

قبل ذهابهم إلى منازلهم قام المهندسون المرهقون ولكن السعيدون بالتقاط صور “سيلفي” مع بالون ضخم على شكل المركبة الفضائية.

المركبة الفضائية التي بلغت تكلفتها 100 مليون دولار (370 مليون شيقل) هي مشروع مشترك بين شركتي SpaceIL وصناعات الفضاء الإسرائيلية، وتم تمويلها بشكل كامل من تبرعات خاصة ومن محسنين يهود معروفين من بينهم المليادرير الجنوب أفريقي موريس كان، ميريام وشيلدون أديلسون، قطب العقارات الكندي سيلفان آدمز، وآخرون.

في الماضي، نجحت روسيا (الإتحاد السوفييتي سابقا) والولايات المتحدة بالهبوط على القمر. في عام 2013 وضعت الصين مركبة فضائية غير مأهولة على الجانب البعيد من القمر.

وبارك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كان حضرا في مركز القيادة لحضور إطلاق المركبة، المبادرة، واصفا اياها بأنها “خطوة كبيرة لإسرائيل، وخطوة كبيرة للتكنولوجيا الإسرائيلية”.

مئات المهندسين وعائلاتهم يحتشدون في كافتيريا صناعات الفضاء الإسرائيلية فييهود لمشاهدة البث الحي لإطلاق المركبة الفضائية بريشيت في 22 فبراير، 2019. (Melanie Lidman/Times of Israel)

وقال إيهود هيان، مهندس أنظمة فضائية في صناعات الفضاء الإسرائيلية، إن “عملية الإطلاق هذه بالنسبة لنا، الأشخاص الذين عملوا على تطوير وبناء المركبة الفضائية، هي بمثابة ولادة بعد الحمل. عندما تترك المركبة الفضائية الصاروخ، انتهى الأمر. عندما تصبح في الفضاء، لا يمكننا فعل أي اختبارات أو تعديلات. هذه ستكون المرة الاولى التي ستعمل بها بمفردها، وتبدأ بالمهام. وبمجرد أن يبدأ كل شيء بالعمل، وتبدأ المحركات بالعمل ويبدأ بث الصور، ستشعر كما لو أن هناك شيئا حيا”.

وقال هيان إن الإطلاق يكون عادة واحدا من أكثر الأجزاء المثيرة للتوتر في العملية الفضائية، ولكن لأنهم استعاونوا بشركة الفضاء التجارية SpaceX في عملية الإطلاق، لم يكن أمام المهندسين ما يفعلونه باستثناء الجلوس ومراقبة عملية الإطلاق، آملين بأن تسير الأمور على أفضل نحو.

وقال دكتور عوفر دورون، المدير العام لقسم الفضاء في صناعات الفضاء الإسرائيلية، بعد انفصال بريشيت عن فالكون 9، “لقد كانت لدينا عملية إطلاق ناجحة، تم قذف [المركبة] في مدار جيد، انفصلت بصورة جيدة، ولدينا اتصالات جيدة”.

هناك مشكلة صغيرة في أحد متتبعي النجوم، التي تساعد المركبة الفضائية على توجيه نفسها باستخدام موقع النجوم، لكن دورون قال إن هناك طرق أخرى يمكن فيها للمركبة الفضائية المناورة بالاتجاه الصحيح.

وأشار إلى أن هذه هي المرة الاولى التي يتم فيها تمويل عملية فضاء سحيق بأموال خاصة. “الجميع ينظر إلينا لرؤية إذا كان ذلك سينجح”، كما قال. “الآن، أوروبا والولايات المتحدة تدرسان هذا النموذج، وتغيران استراتيجيتهما. بدلا من أن يكونوا مسؤولين عن كل شيء، هم يبحثون عن خيارات تجارية”.

وقال هيان إن ميزانية المشروع المتقشفة للتطوير والانتاج والتي بلغت قيمتها 100 مليون دولار كانت محدودة بالأموال التي تمكنوا من جمعها. بالمقارنة، مكوكات ناسا الفضائيةت تكلف حوالي 1.5 مليار دولار، بما في ذلك التطوير. أحد متطلبات المشاركة في تحدي “غوغل LunarX” كان عدم ربط المشاركة بحكومة. في عام 2018 أنهت غوغول مسابقة LunarX من دون الإعلان عن فائزين.

إيهود هيان، مهندس أنظمة فضائية في صناعات الفضاء الإسرائيلية، قبيل عملية إطلاق المركبة الفضائية بريشيت في مركز القيادة في يهود، 22 فبراير، 2019. (Melanie Lidman/Times of Israel)

وقال هيان إن الحكومة الإسرائيلية تبرعت في نهاية المطاف بحوالي 7.5 مليون شيكل (2 مليون دولار). “لن نكون ناسا أبدا، إننا دولة صغيرة، مع ميزانيات صغيرة”، كماقال هيان. “إن نسبة ميزانية الفضاء لدينا من الناتج المحلي أصغر بكثير من دول غربية أخرى”. ومع ذلك، فإن إطلاق بريشيت في الفضاء يثبت أن السفر في الفضاء يمكن أن يحدث على أساس ميزانية، من دون ان تكون هناك حاجة لمليارات الدولارات من الدعم الحكومي.

يسير السفر في الفضاء على طريق “أوبر” والاقتصاد التشاركي، حيث تبحث وكالات الفضاء الوطنية عن طرق لتقليص التكاليف من خلال استخدام “أسهم ركوب” للوصول إلى الفضاء بالاعتماد على عمليات إطلاق تجارية قائمة.

صاروخ فالكون 9 الذي أطلق بريشيت إلى الفضاء أطلق معها أيضا قمرا اصطناعيا كبيرا للاتصالات الأرضية ومعدات أخرى لسلاح الجو الأمريكي. وفي حين أن شركة SpaceX التي يملكها رجل الأعمال إيلون مسك احتكرت سوق إطلاق الصواريخ التجارية، تأمل SpaceIL وصناعات الفضاء الإسرائيلية أن تجدا موقعا تجاريا صغيرا متخصص في الهبوط الروبوتي غير المكلف، حتى تتمكن وكالات الفضاء، أو الأفراد أو المؤسسات الخاصة، يوما ما، من إرسال كاميرات ومعدات إلى القمر لأغراضهم الخاصة.

وقال هيان إنه يعتقد أن إضفاء الطابع التجاري على السفر إلى الفضاء هو أمر ايجابي بشكل عام، على الرغم من أصوله كنوع من الهوية الوطنية. “انظري إلى ما فعلته SpaceX لتكلفة عملية الإطلاق”، كما قال. “لقد قلصوا التكلفة بعشر مرات تقريبا. قاموا بإدخال أفكار جديدة، مثل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام. والآن [إيلون مسك] يتحدث عن إرسال بشر إلى المريخ. هذا أمر مذهل، لك نكن نتخيل ذلك. إن الشركات تفكر حقا بطريقة أبعد مما تفعله الوكالات الوطنية”.

بالنسبة للياف روتنبرغ، أحد مراقبي المركبة الفضائية، فإن عملية الإطلاق يوم الجمعة كانت “حلما تحقق أخيرا”.

وقال روتنبرغ، الذي تطوع في صناعات الفضاء الإسرائيلية عندما كان في المدرسة الثانوية وتوسل ليكون في فريق الهندسة، على الرغم من سنه، “لا يمكنني أن أصدق ذلك، أتذكر أيام الاولى هنا”. خلال الأيام الستين القادمة، سيقوم روتبنرغ بمناوبات في مركز القياد قي يهود للإشراف على محركات المركبة الفضائية. المحركات تقوم بإجراء تعديلات دقيقة على مسار المركبة الفضائية، ما يسمح لها بالقيام بمدارات إهليجية حول الأرض حتى يتم  سحبها إلى مدارات القمر.

وستطوق بريشيت الأرض ست أو سبع مرات في سلسلة من الإهليجات المتزايدة قبل القفز في مدار القمر في 4 أبريل. وستقوم المركبة أيضا بالدوران حول القمر في سلسلة من الإهليجات الأصغر حجما، حتى هبوطها المتوقع في بحر السكون، في 11 أبريل في الساعة الثامنة مساء تقريبا، بحسب الرئيس التنفيذي لشركة SpaceIL، دكتور عيدو عنتيبي.

وستقوم المركبة بقياس الحقول المغناطيسية على القمر، وسيتم تحويل البيانات إلى “معهد وايزمان” لمساعدة العلماء على دراسة كيف تكوّن القمر قبل ملايين السنين. وستقوم بريشيت بإرسال معلومات لمدة تترواح بين يومين وثلاثة أيام قبل أن تبدأ أشعة الشمس كما هو متوقع بإذابة أجزاء من نظام الاتصالات، منهية المهمة بذك.

وستهبط بريشيت على القمر بين المخلفات المتبقية من مهمتي أبولو 12 و15. وقال عنتيبي إنه لا توجد هناك أي خطة موضوعة لإعادة المركبة إلى الأرض. “سيكون هذا الأمر متروكا لأبنائنا لحله”، كما قال.

ويأمل فريق بريشيت أن يكون للإثارة حول أول هبوط إسرائيلي على القمر “تأثير أبولو”، عندما ألهم السفر في الفضاء في ستينيات القرن الماضي مئات آلاف الأطفال في أمريكا لدراسة العلوم والهندسة الفضائية.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وزوجته سارة والملياردير الجنوب أفريقي موريس كان يشاهدون عملية إطلاق المركبة الفضائية بريشيت من مركز القيادة في يهود، 22 فبراير، 2019. (SpaceIL)

في الواقع عدد المربيين في SpaceIL أكبر من عدد المهندسين فيها، بما في ذلك 100 من المربين المتطوعين الذين يقومون بإلقاء محاضرات في المدارس.

إيلي ميلر كان واحدا من بين المتطوعين الأوائل في قسم التربية، بدءا من عام 2012. وقال ميلر “لقد كانت هناك لحظات كثيرة اعتقدنا فيها أن ذلك لن ينجح، أو اننا لن نحصل على المال”.

وقال ميلر إنه في عام 2017 مر المشروع في أزمة حقيقية، مع اقتراب أحد المواعيد النهائية لجائزة “غوغل LunarX”. بداية قامت غوغل بتمديد المواعيد النهائية مرات عدة قبل أن تنهي المسابقة من دون الإعلان عن فائز في مارس 2018. “كانت هناك عدة مرات سألنا فيها أنفسنا، كيف سنفعل ذلك؟”، كما قال ميلر، الذي يقول إنه قام بإلقاء محاضرات حول سباق إسرائيل إلى القمر أمام 5000-6000 شخص. “من المذهل حقا أن نصل إلى هنا، بعد كل ذلك”.

ميلر تحدث مع مجموعات مختلفة، بدءا من 800 جندي في سلاح الجو وصولا إلى مهندسين وطلاب مدارس. المبادرة تتواصل أيضا مع مجموعات من ذوي الاحتيات الخاصة. ويقول دكتور عوفر دورون، المدير العام لقسم الفضاء في صناعات الفضاء الإسرائيلية “عندما نتحدث مع مجموعات من ذوي الاحتيات الخاصة، نقوم بتعليمهم العد إلى الوراء، الأمر الذي قد يشكل تحديا كبيرا بالنسبة لهم، لأننا نريد منهم أن يشعروا بأنهم جزء من عملية الإطلاق”.

وقال حيان “أريد أن يتحدث الجميع عن ذلك، التحدث عن المهمة، التحدث عن طابعها المعقد، وربما عدم التحدث عن السياسة لبضعة أيام. أريد أن يتحدث الأهل والأبناء عن الموضوع معا. لبضعة أيام قليلة في السنة، أريد من الناس أن يدركوا أن بإمكان هندسة الفضاء أن تصل بك إلى أعلى المستويات”.

“هنا نقول إن السماء هي الحد الأدنى”.