حماس تواصل حفر الأنفاق. مع أو من دون تقرير مراقب الدولة، تقوم الحركة بحفر الأنفاق بلا هوادة، من دون أن تصغي كثيرا للثرثرة الإسرائيلية حول الحرب التي انتهت قبل عامين ونصف.

تم سكب المزيد والمزيد من الحبر في إسرائيل، ووضع صفحات على صفحات في حفلة ماجنة من التحليل والآراء والتصريحات، التي بلغت ذروتها في تقرير نُشر يوم الثلاثاء، والذي قدم الإستنتاجات التي عرفها الجميع. صفحات فوق صفحات لن تغير شيئا في نتائج الحرب. ومن المرجح أيضا أن لا تؤثر على الحرب المقبلة.

تواصل دولة إسرائيل البحث عن كبش فداء، وتسليط الضوء على الإخفاقات، حتى في الوقت الذي لم يعد عدد كبير من الأشخاص المسؤولين عنها في مناصبهم – من ضمنهم من كان خلال الحرب رئيسا لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي ووزيرا للدفاع، بيني غانتس وموشيه يعالون، تباعا.

من الواضح أن إسرائيل لا تعرف حقا كيفية الإستعداد للحرب المقبلة؛ فقط لسابقتها. كان هذا هو الحال أيضا مع حرب لبنان الثانية في 2006.

ما زالت حماس تحفر الأنفاق، 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، في مناوبات.

وحدة الأنفاق التابعة لحركة حماس تحولت إلى واحدة من أبرز الوحدات في الجناح العسكري التابع للحركة، والرجال الذين يتم تجنيدهم إليها يحظون بمكانة بطل خارق في القطاع، ويحصلون على رواتب كبيرة بشكل خاص.

لكن إسرائيل لا تزال تعيش في الماضي، في أنفاق الأمس.

من الصعب تصديق ذلك في خضم التصعيد في تبادل الإتهامات بشأن حرب 2014 التي أثارها تقرير مراقب الدولة الثلاثاء، لكن الحقيقة هي أن لدى حماس 15 نفقا على الأقل تحت الحدود مع إسرائيل. في الوقت الراهن.

في غضون ذلك في غزة، الشبكة تحت الأرض آخذة بالإزدهار – أنفاق عابرة للحدود تمتد على عشرات الأميال – حيث يتم من خلالها نقل المؤن، فضلا عن تمكين المسلحين من التنقل بحرية.

سكان تل أبيب، الذي يعيشون في وسط سنوات من أعمال البناء في إطار مشروع مترو الأنفاق في المدينة، لا يمكنهم إلا الشعور بالغيرة من الوتيرة المذهلة التي تتحرك فيها الحفارات تحت غزة وعند الحدود.

الجيش الإسرائيلي كثف من إستعدادته وتدريباته في محاولة لمواجهة تهديد الأنفاق. كان هناك الكثير من الحديث عن الجدار الذي تقوم إسرائيل ببنائه لسد الطريق أمام الأنفاق العابرة للحدود. ولكن لا يوجد هناك من يتوقع بأن يتم إستكمال العمل على هذا الجدار في غضون السنوات القليلة المقبلة. بالتالي وعلى الرغم من تقرير مراقب الدولة، مع تكرار سلسلة الإخفاقات، ما زالت إسرائيل تفتقد لمنظومة دفاعية فعالة ضد أنفاق حماس. وتفتقد إسرائيل أيضا لرد فعال على إعادة التسلح الجاري في حماس.

وهنا تكمن الإخفاقات المستمرة.

الحرب الأخيرة استحوذت على عقول السياسيين والإعلام. ولكن لا يوجد هناك من يتحدث حول الشروع بعملية، أو إتخاذ أي خطوة فعالة أخرى، لمواجهة التهديد الحالي الذي يزداد عمقا، تحت أقدامنا.

لا يوجد هناك من يرغب بالبدء بحرب أخرى من خلال إتخاذ خطوات وقائية. وبالتالي، من الواضح أنه في حال إندلاع جولة أخرى من الصراع مع حماس، ستكون إسرائيل مرة أخرى عرضة لهجوم عبر الأنفاق العابرة للحدود. وإذا تطورت هذه الجولة المقبلة من الصراع إلى حرب شاملة، لن يواجه الجيش الإسرائيلي عددا كبيرا من مقاتلي حماس فوق الأرض، لأنهم سيكونون في الأنفاق التي تمر تحت أراضي غزة.

على مدى عقود، تدرب الجيش الإسرائيلي للحرب من خلال صفوف من الدبابات والسيطرة على مناطق العدو. لكن هل تدرب للصراع في المجال الذي جهزته حركة حماس داخل غزة؟ بالنظر إلى الإصرار على النظر إلى الوراء بدلا من النظر إلى الأمام، كما اتضح من تقرير يوم الثلاثاء والضجة التي استقطبها، هناك شك في ذلك.

مساء الإثنين، أصدر الجناح العسكري لحركة حماس بيانا أشار فيها إلى أنه إذا قامت إسرائيل مرة أخرى بالرد على هجوم صاروخي بالطريقة التي عمل بها الجيش الإسرائيلي يوم الإثنين، من خلال إستهداف مواقع لحماس في غزة، سيقوم الجناح العسكري بتصعيد رده. قد يكون ذلك تهديدا فارغا، ولكن التجربة تشير إلى أنه لا ينبغي الإستخفاف به. لا يمكن لحماس أن تسمح لنفسها بأن تظهر ضعفا، ولكن هذا هو الإنطباع في السنوات الأخيرة. الشعور الذي نشأ هو أن الحركة تخشى من مواجهة كبيرة أخرى مع إسرائيل.

إذا كان هناك إستنتاج مفيد واحد يمكن إستخلاصه من تقرير مراقب الدولة، أكثر فائدة من ملاحظاته حول الأنفاق، فهو تأكيده على أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية فشلت في قياس شهية حماس للحرب بدقة. في البدايات الأولى لعملية “الجرف الصامد” في 2014، أشار تقييم المخابرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن حماس حريصة على إنهاء القتال. في سلسلة من الإجتماعات في الأيام الأولى للحرب، أعلنت المخابرات العسكرية أن حماس كانت ضعيفة، وتلقت ضربات موجعة، وترغب في الإعتراف بهزيمتها. هذه التقييمات، لسبب ما، تجاهلت ما اعتبرتها حماس إنجازات بالنسبة لها، وكذلك إقتناعها بأنها كانت تحقق نقاطا في صفوف الغزيين والرأي العام العربي الأوسع. هذه التقييمات، لسبب ما، فشلت في استيعاب رغبة حماس بمواصلة القتال، وإيمانها بأنها على أبواب نقطة تحول تاريخية. المخابرات العسكرية أخطأت في تقديراتها.

حماس كانت مخطئة في الإعتقاد بأن الحرب ستمكنها من تغيير الواقع في غزة بشكل جذري، من خلال ممارسة الضغط على إسرائيل لرفع الحصار الأمني و/أو الموافقة على بناء ميناء ومطار. لقد كانت مخطئة، لكن ثقتها كانت تعني أنها لا تبحث عن نهاية سريعة للقتال.

استعدادا للصراع المقبل، على إسرائيل أن تدرك أن قياس النوايا الحقيقية لحماس – ولحزب الله، في جنوب لبنان، في هذا الصدد – ليس بهذه البساطة. ليس في إسرائيل فقط تتأثر تصرفات السياسيين من مخاوفهم بشأن الرأي العام. ليس في إسرائيل فقط هناك من يصدق الهراء الذي يُنشر على وسائل الإعلام التقليدية والجديدة. وليس في إسرائيل فقط يضع صناع القرار مصالحهم السياسية فوق مصالح شعبهم.