في الصباح 11 ديسمبر، استقبلت وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مقر المجلس الأوروبي من خلال رفضها لرؤيته في اعتراف القارة بأكلمها بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل.

بعد ذلك بوقت قصير، التقى نتنياهو مع وزراء الخارجية البالغ عددهم 28 للدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي لإجراء نقاش كان يأمل بأن ينجح في إذابة موقف الإتحاد الصارم بشأن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ولكن هذا النقاش أظهر له في الأساس أن الأوروبيين غير متأثرين بحججه.

بعد ذلك كان من المقرر أن يلتقي نتنياهو مع رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر لكنه ألغى الاجتماع بإشعار قصير. مكتبه أشار إلى الطقس القاسي وحاجته إلى أن يكون حاضرا في الكنيست في وقت لاحق من مساء اليوم نفسه للمشاركة في التصويت في قراءة أولى على مشروع قانون يمنع المتاجر الصغيرة من فتح أبوابها أيام السبت.

في ساعات ما بعد الظهر الأولى، كان موكب نتنياهو لا يزال يشق طريقه في الشوارع المثلجة لبروكسل في الطريق إلى المطار – حيث كانت هناك حاجة إلى إذابة الثلج عن جناحي طائرة البوينغ قبل الإقلاع – عندما اختارت موغيريني كلمات أكثر حدة لرفض رؤية رئيس الوزراء بأن تقوم الدول الأوروبية بنقل سفاراتها إلى القدس.

وقالت في مؤتمر صحفي: “بإمكانه إبقاء توقعاته للآخرين، لأنه من جهة الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي هذه الخطوة لن تأتي”.

اليوم البارد الذي واجهه نتنياهو في بروكسل عمّق من أزمة مستمرة بين إسرائيل والإتحاد الأوروبي. تشهد العلاقات الثنائية بين الطرفين توترا منذ سنوات، لكن قيام الاتحاد بصب ماء بارد على اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وما اعتُبر تجاهلا من قبل نتنياهو ليونكر، زادا من توسيع الهوة بين الطرفين.

مؤخرا قال مصدر دبلوماسي رفيع لتايمز أوف إسرائيل: “يشعر نتنياهو أن هذه قضية خاسرة”، مضيفا أن رئيس الوزراء يأسف الآن على قيامه بالرحلة إلى بروكسل. “نحن في أزمة عميقة جدا. إنها حقيقية، أزمة حقيقية. وإذا لم تتغير الأمور، سنصل إلى طريق مسدود”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو خلال اجتماع افطار مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مبنى مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل، 11 ديسمبر، 2017. (AFP Photo/Pool/Geert Vanden Wijngaert)

لطالما كان الإتحاد الأوروبي بمثابة كيس ملاكمة للساسة الإسرائيليين، حيث يتفق أعضاء في التحالف الحكومي وبعض النواب في المعارضة على أن الإتحاد يتعامل مع الدولة اليهودية بشكل غير منصف وغالبا ما يقف على الجانب الخطأ من التاريخ.

معارضة بروكسل الشديدة للتوسع الإستيطاني وسياسة الهدم الإسرائيلية للمباني الفلسطينية، بالإضافة إلى التمويل الأوروبي لمنظمات غير ربحية يسارية، أثارت غضب اليمين الإسرائيلي لسنوات.

لكن الضغينة بين إسرائيل وبروكسل بلغت عمقا إلى درجة يعتقد فيها بعض المسؤولين الإسرائيليين الآن أن نتنياهو فقد الأمل بالكامل تقريبا في الإتحاد الأوروبي.

العلاقات بين إسرائيل مع الإتحاد الذي يضم 28 دولة عضو ساءت بشكل كبير بعد قرار الإتحاد الأوروبي في نوفمبر 2015 وضع علامات على منتجات المستوطنات. في رد فعلها الأول، قامت إسرائيل بوقف الاتصالات مع الإتحاد الأوروبي، لكنها سرعان ما استأنفتها. كانت هناك علامات أخرى على وجود انفراج، على سبيل المثال عندما قال مسؤول رفيع في بروكسل في أواخر عام 2016 إن الإتحاد على استعداد لاستئناف اجتماعات مجلس الشراكة بين الإتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهو منتدى ثنائي على مستوى الوزراء، بعد توقف دام خمس سنوات.

لكن سرعان ما تدهورت العلاقات مرة أخرى. في يوليو 2017، سُمع نتنياهو، خلال زيارة إلى بودابست، وهو يصف الإتحاد الأوروبي ب”المجنون” لإصراره على ربط التقدم في العلاقات الثنائية بالتقدم في العملية السلمية.

وتفاقمت التوترات بعد اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 ديسمبر، 2017، بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهي خطوة عارضها الإتحاد بشدة.

في الشتاء الماضي في بروكسل – العاصمة الفعلية للإتحاد الأوروبي التي وصفها مساعدو نتنياهو ب”عرين الأسد” – كان رئيس الوزراء يأمل بأن يتمكن من تغيير ميول الإتحاد المزعومة للفلسطينيين. ولكن على الرغم من أن الجانبين تحدثا عن أن الاجتماعات كانت ودية ومن دون أي تنافر، في محادثات خاصة أقر مسؤولون إسرائيليون بأن نتنياهو عاد إلى البلاد وهو يشعر بخيبة أمل كبيرة.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو خلال فطور مع وزراء خارجية دول الإتحاد الأوروبي في بروكسل، 11 ديسمبر، 2017. (Avi Ohayon/GPO)

وما زاد الطين بلة قيام بروكسل بأخذ دور المدافع الرئيسي عن الاتفاق النووي مع إيران على نفسها بعد أن أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق التاريخي في 8 مارس. بروكسل لم تكتفي بالتنديد بخطوة الرئيس الأمريكي، لكنها تعهدت أيضا بحماية الشركات الأوروبية من فرض العقوبات عليها.

منذ ذلك الحين ازدادت الهجمات الإسرائيلية على الإتحاد بالوتيرة والحدة، حيث يتهم وزراء الإتحاد الأوروبي علانية بتمويل حملات مقاطعة مناهضة لإسرائيل وحتى منظمات لها صلة بالإرهاب.

ووصلت العلاقات إلى الحضيض في شهر يونيو، عندما قال نتنياهو إنه لم يكن لديه وقت للقاء موغيريني خلال زيارة مخططة إلى القدس. من الناحية الدبلوماسية، كانت هذه صفعة كبيرة على الوجه. السبب الرسمي الذي أعطي هو جدول أعمال رئيس الوزراء المكتظ، ولكن في تصريحات مسربة لم يحاول مساعدوه إنكار أنه أراد توجيه رسالة.

لقد سئمت إسرائيل من الإتحاد الأوروبي، كما قالوا، وإذا كانت موغيريني تعتقد أن بإمكانها التحريض على الإعتراف بالقدس، وأن تناضل من أجل الاتفاق مع إيران، وأن تتوقع في المقابل بأن يتم الترحيب بها بحرارة في إسرائيل، فهي مخطأة.

سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل إيمانويل غيوفريه في مكتبه رامات غان. (Ariel Zandberg)

عندما اتهم مصدر مجهول سفير الإتحاد الأوروبي في إسرائيل، إيمانويل غيوفريه، بوصفه ما يُسمى بـ”قانون الدولة القومية اليهودية” بأنه “مفعم بالعنصرية”، سارع نتنياهو إلى استدعائه لتوبيخه في وزارة الخارجية.

غويفريه الذي نفى علنا استخدامه لهذه اللغة، تساءل عن سبب تلقيه اللوم بالاستناد على تقارير غير مؤكدة في وسائل الإعلام.

موقف الإتحاد الأوروبي

الإتحاد الأوروبي لم يقم بالرد حتى الآن. المسؤولون الأوروبيون يؤكدون على أن العلاقات الثنائية لا تزال قوية، مشددين على التعاون المثمر في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وحتى في الحرب المشتركة ضد الجريمة المنظمة والإرهاب.

في الشهر الماضي، قام متخصصون كبار من الاتحاد الأوروبي بزيارة القدس ورام الله من أجل “مراجعة أساليب انخراط الاتحاد الأوروبي على الأرض في دعم حل الدولتين”. لم تنشر نتائج هذه المراجعة بعد، ولكن بروكسل وضحت عدم وجود نية لديها في “خفض مستوى تمويل الاتحاد الأوروبي، أو مراجعة سياسات الإتحاد الأوربي بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط”.

المفوض العام للشرطة الإسرائيلية روني الشيخ مع المديرة التنفيذية لليوروبول، كاثرين ديبول، في لاهاي، 17 يوليو، 2018. (courtesy Europol)

قد تكون هناك خلافات سياسية، كما يقول مسؤولون أوروبيون، ولكن للقدس وبروكسل التزام مشترك بالديمقراطية والقيم الغربية. على الإسرائيليين ألا ينسوا أن الإتحاد لا يزال أكبر شريك تجاري لإسرائيل، كما يقولون.

كما ويشير هؤلاء المسؤولون إلى أن موغيريني كانت من مناصري الاتفاق مع إيران منذ البداية، لأن لأوروبا مصلحة اقتصادية في الجمهورية الإسلامية، وكذلك لأن بروكسل تعتقد أن الاتفاق هو أفضل طريقة لإبقاء طهران بعيدة عن التحول إلى قوة نووية.

ويقول مسؤولون في محادثات خاصة إن الإتحاد اتخذ مثل هذا الموقف الصارم بشأن القدس بهدف الحفاظ على القليل من الإجماع المتبقي في قضايا الشرق الأوسط.

ويشرح المسؤولون أنه في الوقت الذي تشهد فيه علاقات دول مثل المجر وجمهورية التشيك مع إسرائيل تقاربا متزايدا، في حين أن دول أخرى، مثل فرنسا وآيرلندا، تواصل دعمها للقضية الفلسطينية، يخشى الإتحاد من تفكك مواقفه المشتركة بشأن القضايا الجوهرية إذا لم يدافع عنها بقوة.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (من اليسار) ونظيره المجري فيكتور أوربان خلال مؤتمر صحفي مشترك في البرلمان في العاصمة المجرية بودابست، 18 يوليو، 2017. (AFP photo/Hungarian PM’s Office and Pool/Karoly Arvai)

على الرغم من هذه الخلافات الكبيرة، فإن الإتحاد الأوروبي يرغب في مواصلة تعزيز العلاقات الجيدة مع إسرائيل. ولكن هذا الشعور غير متبادل.

طالما استمر الإتحاد بربط أي تقدم في العلاقات الثنائية بالتقدم مع الفلسطينيين، فإن الجهود لتحسين الاتفاقيات الثنائية ستبقى مجمدة، بحسب ما قاله المسؤول الدبلوماسي الإسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل.

وأضاف المسؤول أنه إذا لم تتمكن القدس من إقناع بروكسل بعبثية احتجاز علاقاتها مع القدس رهينة للعملية السلمية “فأنا لست واثقا من وجود أي قيمة مضافة في علاقتنا”.

كما يمكن جني الفوائد من التعاون بين الإتحاد الأوروبي وإسرائيل من خلال اتفاقيات ثنائية مع دول أعضاء في الإتحاد بشكل منفصل، وفقا لهذه الحجة. إلا أن مسؤولين في الإتحاد الأوروبي لا يتفقون مع هذا الادعاء، لكن الكثير من السياسيين الإسرائيليين يدعمون خط رئيس الوزراء.

وقال نائب الوزير للشؤون الدبلوماسية مايكل أورن “من خلال دعم منظمات غير حكومية معارضة للحكومة الإسرائيلية وفي بعض الحالات تعارض حق إسرائيل في الوجود، يقوض الإتحاد الأوروبي سيادتنا ولا يحترم ديمقراطيتنا. لقد اتخذ الإتحاد الأوربي موقفا غير متقطع تقريبا ينتقد إسرائيل ويدعم الفلسطينيين”.

وأضاف “كم تطّلب الأمر من الخطابات المعادية للسامية وحتى المعادية لأوروبا من أبو مازن [رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس] حتى يخرجوا ويدينوه؟ لا يزال الإتحاد الأوروبي مؤيدا للاتفاق النووي، الذي نعتبره تهديدا وجوديا. كيف من المفترض أن نعاملهم؟”

هذا الأسبوع، انضم أورن إلى وزير الأمن العام غلعاد إردان في وصفه للإتحاد الأوروبي ب”مفلس أخلاقيا” بسبب معارضته لإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران.

للمعارضة الإسرائيلية أيضا الكثير من الانتقادات للإتحاد الأوروبي، لكنها ترى أنه لا ينبغي على الحكومة الحالية أن تتخلى عن الإتحاد الأوروبي.

رئيس حزب “يش عتيد”، يائير لابيد، قال لتايمز أوف إسرائيل هذا الأسبوع، إن “أوروبا هي شريك تجاري رئيسي ولا تزال لاعبا هاما في الساحة الدولية”.

وأضاف: “بامكان الحكومة وعليها إدارة العلاقات بصورة أفضل بكثير من دون المساومة بمليمتر واحد على قيمنا وأولوياتنا – إن الإتحاد الأوروبي مخطئ بالشأن الإيراني، وعليه وقف تمويله للمنظمات غير الحكومية المعادية لإسرائيلية، وعليه التوقف عن التدخل في منظومتنا القانونية والسياسية، وإنهاء (سياسة) وضع العلامات السخيفة على منتجات من الضفة الغربية وهضبة الجولان”.

وفي الوقت نفسه، فإن تغيير مواقف الإتحاد الأوروبي بشأن هذه الأمور “يتطلب دبلوماسية ذكية واستثمارا حقيقيا في وزارة الخارجية وعمل جاد”، كما قال لابيد الذي أضاف أن “ذلك لا يحدث في ظل هذه الحكومة”.

كل هذا لا يعني أن الدبلوماسيين الإسرائيليين المكلفين بتعزيز العلاقات مع الإتحاد الأوروبي لا يبذلون باستمرار جهودا للدفع باتفاقيات ثنائية. فهم لم يفقدوا الأمل تماما، ولكن في ضوء الإشارات الواضحة القادمة من القادة السياسيين، فمن المرجح أن تستمر إسرائيل في التعامل مع الإتحاد الأوروبي ببرود.