كان الوقت مبكرا في الصباح قبل شروق الشمس عندما بدأ العمال الفلسطينيين بالوصول بأعداد كبيرة إلى معبر قلنديا الجديد في شمال القدس.

معظمهم اتجه بسرعة نحو المعبر، حريصين على الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل، ولكن بعضهم وقف لأداء صلاة الفجر في حين احتشد آخرون حول أبو رمزي، تاجر يبلغ من العمر 64 عاما يبيع لفائف السمسم والفلافل المحشو بالبصل لمن يستخدمون المعبر.

بعد سنوات من تشغيل حاجز غير ملائم وغير فعال للمشاة في قلنديا اضطر فيه العمال الفلسطينيون من وسط الضفة الغربية للانتظار في صفوف طويلة، افتتحت إسرائيل أخيرا نقطة تفتيش في المنطقة في أواخر شهر فبراير.

داخل نقطة التفتيش، وقفت مجموعات العمال في صفوف منظمة وانتظروا بصبر دورهم لعبور أجهزة الكشف عن المعادن والبوابات الإلكترونية التي تتحقق من تصاريح دخولهم (جميع العمال الفلسطينيين في إسرائيل يحملون تصاريح بيومترية) بينما قام الجنود الإسرائيليون وحراس الأمن الخاص بمراقبتهم من مسافة بعيدة.

في غضون خمس إلى عشر دقائق، خرج العمال من نقطة التفتيش وبدأوا بالبحث عن مركبات وحافلات كانت بانتظارهم لنقلهم إلى أماكن عملهم.

يقع الحاجز في الطرف الجنوبي لحي كفر عقب في شمال مدينة القدس، المتاخم للجدار الفصل ويعاني منذ سنوات من خدمات بلدية رديئة. ويتعين على سكان كفر عقب، الذين يُقدر عددهم بستين ألف نسمة والكثير منهم مقيمين بصفة دائمة في إسرائيل، وفلسطينيون آخرون في وسط الضفة الغربية اجتياز معبر قلنديا وحاجز آخر للوصول إلى وسط القدس.

امرأة فلسطينية تظهر بطاقة هويتها لجندية إسرائيلية في حاجز قلنديا، 28 مارس، 2019. (Adam Rasgon/Times of Israel)

وتقول الأغلبية الساحقة من العمال، الذين يعملون في وظائف مختلفة في إسرائيل، إن الحاجز الجديد جعل من سفرهم في الصباح إلى العمل أكثر سهولة بشكل كبير مقارنة بالحاجز القديم.

وقال يوسف جبارين البالغ من العمر 43 عاما ويعمل جزارا في سوق محانية يهودا في القدس، وهو يقف عند مخرج قلنديا، “أصبح الوضع أفضل بكثير. كان الأمر يستغرق حوالي ساعة لمرور الحاجز القديم. الآن يستغرق الأمر بضعة دقائق، مما يعني حصولي على ساعة نوم إضافية”.

وقال جبارين إنه كان يغادر منزله في الضفة الغربية في الساعة 4:30 فجرا للوصول إلى محانيه يهودا في الساعة السابعة صباحا، ولكنه الآن يخرج من المنزل في الساعة 5:30 صباحا.

يدخل عشرات آلاف الفلسطينيين إسرائيل أسبوعيا للعمل في وظائف في مواقع للبناء ومتاجر ومطاعم وأماكن أخرى، حيث بإمكانهم الحصول على رواتب أعلى بكثير من الرواتب التي سيحصلون عليها في نفس الوظيفة في الضفة الغربية.

وافتقر الحاجز القديم، المتاخم للمعبر الجديد، للبنى التحتية الضرورية لاستيعاب عدد كبير من العمال بصورة فعالة، كما تقول إينا فريدمان، التي قضت السنوات العشر الأخيرة في زيارة ومراقبة قلنديا بشكل أسبوعي في إطار عملها في منظمة “محسوم ووتش”، وهي منظمة حمائمية تراقب معاملة إسرائيل للفلسطينيين في حواجز الضفة الغربية.

وقالت فريدمان وهي تنظر إلى الحاجز القديم، “لم تكن هناك منشآت تفتيش كافية لاستيعاب كمية الأشخاص التي كانت تعبر يوميا؛ الأمر بهذه البساطة”.

يجتاز حوالي 4,000 شخص، معظمهم عمال فلسطينيون، قلنديا في كل صباح، كما قال الميجر موطي ستولوفيتش، وهو مسؤول في وحدة تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي، وهي الهيئة المسؤولة في وزارة الدفاع عن التواصل مع الفلسطينيين، في جولة تم تنظيمها مؤخرا مع مراسلين محليين وعالميين.

صورة تم التقاطها في حاجز قلنديا القديم في 3 مايو، 2016، تظهر عاملا فلسطينيا يدخل ممرا أحد الممرات الحديدة التي على جميع العابرين الدخول عبرها قبل فحص بطاقات هوياتهم. (Luke Tress / Times of Israel).

تحتوي نقطة التفتيش الجديدة على 6 محطات لكشف المعادن و27 بوابة إلكترونية تقرأ بشكل إلكتروني التصاريح البيومترية؛ ويوجد فيها أيضا عدد من الشبابيك للفلسطينيين أو الأجانب الذين لا يحملون تصاريح عبور بيومترية، حيث يكون بإمكانهم إظهار بطاقات هوياتهم أو جوازات سفرهم للجنود.

على النقيض من ذلك، احتوى الحاجز القديم على خمسة ممرات شبيهة بالقفص المعدني كان يتعين على الفلسطينيين اجتيازها قبل الوصول إلى خمس محطات تفتيش، حيث اضطر العمال وآخرون إلى العبور من خلال أجهزة للكشف عن المعادن وإظهار تصاريحهم يدويا للجنود.

وتضمن الحاجز السابق أيضا مرفق حمامات كان في معظم الأحيان غير نظيف وعفن. الحمامات في المعبر الجديد كانت مغلقة في وقت الزيارة.

وقال ستولوفيتش إن إسرائيل استثمرت عشرات ملايين الشواقل في بناء نقطة التفتيش الجديدة، التي وصفها بأنها “أسرع بكثير” وأكثر “راحة” من تلك القديمة.

وأضاف المسؤول في مكتب تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن السلطات الإسرائيلية أكملت أو ستكمل قريبا تحديث العديد من الحواجز في الضفة الغربية.

ويقول أحمد أبو رُب (38 عاما)، الذي يعمل في موقع للحفريات في القدس، إن الحاجز الجديد أكثر تنظيما من نظيره القديم.

“إنه أكثر تنظيما. الآن ينتظر الناس في الصف من دون أن يدفع أحدهم الآخر”، كما يقول، وهو يسير باتجاه محطة الحافلات القريبة. وأضاف أبو رُب “في الحاجز القديم، كان الكثير من الأشخاص يقومون بالتدافع وعندها كان الجنود يقومون بإغلاق جميع المخارج واضطر الجميع للانتظار حتى يقررون البدء بالسماح لنا بالعبور مجددا. لقد كان الأمر اشكاليا حقا”.

في عام 2016 بثت القناة 2 تقريرا تحت عنوان “مثل الحيوانات” عن المعبر القديم أظهرت فيه مشاهد فوضوية لصفوف لا تنتهي وتدافع وإحباط. وشمل التقرير أيضا تسجيلا لتصريح أدلى به وزير الزراعة اليميني المنتهية ولايته، أوري أريئيل، لمحطة إذاعية حول الظروف التي واجهها العمال الفلسطينين في الحواجز حينذاك، والتي وصفها بأنها “وصمة عار وإحراج لدولة إسرائيل”.

لقطة شاشة مأخوذة من تقرير للقناة 2 في 15 ابريل، 2016 عن حاجز قلنديا، حيث تم تسليط الضوء على الصعوبات التي يواجهها العمال الفلسطينيون خلال دخولهم إلى إسرائيل من الضفة الغربية. (لقطة شاشة: القناة 2)

على الرغم من أن العمال أعربوا عن رضاهم عن نقطة التتفيش الجديدة، إلا أن فلسطينيين آخرين، الذين لا يعملون في إسرائيل، وجهوا انتقادات حادة للخطوة.

وقالت حنين البالغة من العمر 43 عاما، والتي تعمل مدربة لياقة بدنية في رام الله، “لا يجب أن يكون أي شيء هنا. من حقي الانتقال من مدينة إلى مدينة في بلدي من دون المرور عبر حاجز. أنا بصراحة شعرت بالصدمة من الحاجز الجديد. أشعر أن الاحتلال يحاول فرض واقع زائف علينا وكأننا نتنقل بين دولتين هنا”.

منذ الانتفاضة الثانية في أوائل سنوات الألفين كانت هناك أشكال مختلفة من الحواجز في قلنديا عندما قامت فصائل فلسطينية بتنفيذ هجمات انتحارية وهجمات إطلاق نار وأشكال أخرى من الهجمات ضد الإسرائيليين، ما أسفر عن مقتل مئات المدنيين والجنود.

وقال المسؤول الكبير في حركة “فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية، عزام الأحمد، “لا ينبغي (على إسرائيل) العمل على تجميل الحواجز، ولكن عليها إزالتها وإنهاء الاحتلال”.

وقال الأحمد في مكالمة هاتفية “نحن شعب يريد كرامته والطريقة الوحيدة التي يمكننا فيها تحقيق ذلك هي في انهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة على حدود 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها”.

لافتة في حاجز قلنديا، 16 أبريل، 2019. (Adam Rasgon/Times of Israel)

لدى سؤاله عن الانتقادات التي وجهها الأحمد للحاجز الجديد، قال المسؤول في وحدة تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي، الذي طلب عدم نشر اسمه: “لا أرد على ذلك. يحق للجميع التعبير عن رأيه. إننا نرغب في توفير خدمة أفضل هنا. من واجبي تحسين الحركة والوصول والحياة اليومية”.

وانتقد ماهر عواودة، وهو مسؤول في وزارة الاعلام الفلسطينية، إسرائيل لإجبارها العمال الفلسطينيين على استخدام تصاريح عبور بيومترية في الحاجز.

وقال في مكالمة هاتفية “من غير المقبول على الإطلاق أن تقوم إسرائيل بإصدار بطاقات بيومترية للفلسطينيين. لماذا بإمكانها الاحتفاظ بقاعدة بيانات إلكترونية عن أشخاص ليسوا مواطنين فيها ولا يصوتون في انتخاباتها؟”

وتلزم إسرائيل جميع العمال الفلسطينيين حمل تصاريح بيومترية. ودافع مسؤول أمني، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، عن هذا الإجراء، مؤكدا على أن هذه البطاقات تسمح للفلسطنييين بعبور الحواجز بسرعة مع الحفاظ على البروتوكولات الأمنية.

عزام الأحمد، رئيس اللجنة المركزية لحركة ’فتح’ وكبير ورئيس الوفد المفاوض في محادثات المصالحة الفلسطينية يتحدث خلال مؤتمر صحفي في ختام يومين من المحادثات المغلقة حضرها ممثلون عن 13 فصيلا رئيسيا والتي أجريت في العاصمة المصرية القاهرة، 22 نوفمبر، 2017. (AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED)

وقالت فريدمان، المراقبة في منظمة “محسوم ووتش”، إنها تعتقد أن الحاجز الجديد هو بمثابة تحسن ملحوظ مقارنة بالقديم، لكنها شددت على أن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الضفة الغربية لا تزال قائمة.

وقالت إن حاجز “قلنديا يعمل الآن بشكل جيد للغاية، وهو جيد للناس والجميع سعداء به، لكن قبضة إسرائيل الأوسع على الشعب الفلسطنيي والمعاناة اليومية التي يسببها لهم ذلك لم تتغير”.

وأشارت فريدمان أيضا إلى أنها ستقضي الآن وقتا أقل في قلنديا وستقوم بتركيز جهودها على حواجز أخرى لا تتمتع بالمرافق نفسها.

مع اقتراب الساعة الثامنة صباحا، كانت الشمس قد أشرقت وكان أبو رمزي قد باع معظم الكعك الذي معه وغادر جميع العمال تقريبا إلى أماكن عملهم في إسرائيل.