تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” – أو بإختصار “الدولة الإسلامية” – خسر أكثر من ثلث مقاتليه على مدى الأشهر ال18 الأخيرة. مسؤولون إسرائيليون وغربيون قدروا عدد مقاتلي التنظيم في أوائل 2015 بنحو 25 ألفا. التقديرات الحالية تتحدث عن 15 ألفا.

لانخفاض عدد المقاتلين عدة أسباب. الأول هو الجهود العسكرية الأمريكية-الروسية المشتركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق – وهو ما أدى إلى مقتل الكثيرين وإصابة عدد هائل منهم. في غضون ذلك، استنفد التنظيم قواه من خلال محاربة الجيش السوري ومنظمة “حزب الله” والميليشيات الشيعية وتركيا والأكراد والتحالف العربي والمعارضة السورية.

تدفق المتطوعين توقف هو أيضا. ويعود ذلك أيضا كما يبدو إلى عدة عوامل، مثل التدخل العسكري التركي على الأراضي السورية في الشهر الماضي، الذي صعب من مهمة المتطوعين في الدخول؛ الهزائم الأولى في أرض المعركة في مدن رئيسية مثل الفلوجة والرمادي ومنبج وتدمر، ما ألحق ضررا بصورة الدولة الإسلامية كقوة لا تُهزم؛ والمزيد من الجهود المضنية التي تبذلها الدول الأوروبية ضد التنظيمات الإسلامية. ما يزيد من هذه الصعوبات، وينتج عنها أيضا، طلب الدولة الإسلامية من مناصريها في الخارج البقاء في بلادهم والعمل ضد “الكفار”.

التنظيم شهد ايضا انخفاضا حادا في دخله. قُدرت عائداته في عام 2015 من صناعة النفط الخام ب600-700 مليون دولار. التقدير السائد حاليا هو أن هذه الوتيرة من الدخل هبطت إلى النصف، حيث من المتوقع أن تكون أرباحه من النفط الخام ما بين 250-360 مليون دولار. إذا كانت العائدات من النفط الخام تشكل نصف مدخول الدولة الإسلامية في عام 2015، فهي تشكل حاليا الثلث فقط.

من أجل إغلاق الفجوة، قام التنظيم بزيادة الضرائب على السكان المحليين في الأراضي التي يسيطر عليها. وقام أيضا بتقليص رواتب مقاتلية والمسؤولين فيه بصورة كبيرة – من حوالي 300 دولار شهريا إلى ما بين 50-150 دولار، بالإعتماد على رتبة “الجندي”. وهو يستثمر أقل في البنى التحتية المدنية مثل الكهرباء والماء والتخلص من النفايات والمحاكم ويضطر إلى توجيه كل موارده تقريبا إلى جهوده العسكرية.

التنظيم الجهادي فقد أيضا عددا كبيرا من عناصره في الأشهر الأخيرة، مع مقتل المتحدث بإسمه، أبو محمد العدناني، في شهر أغسطس الأخير، فيما تُعتقد بأنها الخسارة الأكبر للتنظيم. العدناني لم يكن المتحدث بإسم الدول الإسلامية فحسب، بل كان أيضا قائده الميداني الأعلى رتبة. كان مسؤولا عن التخطيط والتنفيذ لهجمات في الخارج منذ بدأ زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، بقضاء معظم وقته في الإختباء من الهجمات الأمريكية.

كل هذه العوامل دفعت بتنظيم الدولة الإسلامية إلى تغيير إستراتيجيته. بدلا من الهجمات والمداهمات والإستيلاء على مناطق جديدة، تحول إلى الدفاع وتعزيز قبضته على المواقع التي يسيطر عليها، حيث يقوم بحفر الخنادق ويحاول الصمود أمام القصف الجوي المدمر الذي يأتي في الأساس من القوات الأمريكية. المنطقة الأكثر أهمية للدولة الإسلامية، خارج سوريا والعراق، كانت ليبيا، حيث تلقى عناصر التنظيم عناك ضربات موجعة أيضا.

ومع ذلك، نجح الدولة الإسلامية في الصمود من حيث الخدمات اللوجستية والقيادة. لا يزال مبنى التحكم والقيادة للتنظيم يعمل (عدد من قادته الكبار كانوا ضباطا في الجيش العراقي خلال فترة الرئيس صدام حسين)، ويواصل البغدادي في ضبط النغمة، كما يبدو من مكان إختبائه في مدينة الرقة السورية. مبنى الدولة الإسلامية البيروقراطي نجح هو أيضا بالصمود. لذلك فإنه على الرغم من أن قوة الدولة الإسلامية في حالة هبوط، ولكن من الصعب تكهن متى سيحدث هبوط حقيقي، أو ما سيمنعه من الإستمرار بالعمل بشكل منظم.

في حال تم هزم الدولة الإسلامية، لا يمكن لأحد أن يعرف من ستكون المجموعة الإسلامية التي ستحل محلها أو ما الذي سيحدث للأراضي التي سينسحب التنظيم منها. ليس من المؤكد على الإطلاق بأن يعود الهدوء والأمن إلى البلاد إذا نجح الجيش العراقي في إستعادة السيطرة على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، في الأشهر القادمة. التوترات لا تزال عالية بين السنة والشيعة، وكذلك بين مجموعات شيعية مختلفة، على الطريقة التي ينبغي إدارة البلاد فيها, وكذلك على مستقبلها.

كذلك الأمر بالنسبة لسوريا التي يمكن أن تقود الحرب البرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بالأخص في محيط الرقة. الأكراد غير متحمسين، في هذه المرحلة، للمخاطرة بتلقي خسائر كبيرة من خلال محاولة إستعادة الرقة من الدولة الإسلامية.

فيما يتعلق بصورة التنظيم فإن “العلامة التجارية” للدولة الإسلامية ضعفت بكل تأكيد، لكن الفكرة لا تزال موجودة وتقوم بتغيير شكلها. في حين أن قادة الدولة الإسلامية أقروا في منتديات مختلفة على شبكة الإنترنت بأنه لن تكون هناك دولة خلافة على الأرض، لكنهم ما زالوا يدعون إلى استمرار الهجمات الإرهابية حول العالم ضد “الكفار”.

فيما يتعلق بهذه الفكرة، ينبغي القول بأن الدولة الإسلامية لم تنجح كثيرا في تنفيذ هجمات في الخارج. مبنى الهجمات الإرهابية الخاص بها لم ينجح كثيرا في تنفيذ عمليات إرهابية مميتة على نطاق واسع في الأشهر الأخيرة، على الرغم من أنه يسارع في إعلان مسؤوليته عن هجمات ينفذها متطرفون تأثروا منه لكن لا تربطهم علاقة عملياتية بقيادة التنظيم في سوريا.

في غضون ذلك، في سوريا إيران هي من تحدد النغمة

على الأرض في هضبة الجولان تكاد لا تكون هناك أي تغييرات، حيث يتواصل القتال متدني الحدة بين الموالين لبشار الأسد وحزب الله وفصائل المعارضة المعتدلة، وكذلك أنصار الدولة الإسلامية (“كتائب شهداء اليرموك” سابقا و”جيش خالد بن الوليد” حاليا)

فصائل المعارضة المعتدلة نسبيا، إلى جانب جبهة فتح الشام (“جبهة النصرة” سابقا) أوقفت العمليات القتالية ضد قرية الخضر الدرزية، التي تُعتبر معقلا لمؤيدي الأسد. من بين الأسباب لوقف العمليات الرسالة الحازمة التي وجهتها إسرائيل للمعارضة السورية التي حذرتها منها من محاصرة الخضر (بسبب العلاقات القوية بين الدروز الذين يعيشون هناك والدروز الذين يعيشون في إسرائيل).

الحدث الرئيسي في سوريا يدور حاليا في محيط حلب. النظام السوري – الذي لم يعد بقائه محط شك – يحاول، بمساعدة حلفائه الروس والإيرانيين، إستكمال السيطرة على حلب. هو يعتبر ذلك هاما، على الأقل من حيث صورته. يبدو أن الروس أكتووا بنار الحرب خلال الإستيلاء على تدمر، في القتال ضد الدولة الإسلامية، ما سمح لفصائل المعارضة في حلب بإعادة تجميع صفوفهم وتحقيق إنتصارات مؤثرة هناك. لذلك قرر الروس، في الوقت الحالي، تركيز جهودههم على حلب وحماس في حربهم ضد فصائل المعارضة المعتدلة وجبهة فتح الشام، والتخلي عن القتال ضد الدولة الإسلامية وآخرين.

تشارك قوات من الحرس الثوري الإيراني هي أيضا في القتال في حلب. إلى جانب قائد القوات الروسية في سوريا والجيش السوري، يقومون بتوجيه ما يحدث على الأرض، وتحت تصرفهم قوات حزب الله وجيش بشار الأسد و”فيلق أجنبي”: ثلاثة ألوية من مقاتلين شيعة ليسوا بسوريين ولا لبنانيين.

أحد هذه الألوية، من العراق، يضم مقاتلين جندهم الإيرانيون للقتال في العراق مقابل أجر، وتم تحويلهم إلى سوريا. اللوائين الآخرين، من باكستان وأفغانستان، ويضمان باكستانيين وأفغان حاولوا الهجرة إلى إيران وتم إقناعهم بالإنضمام إلى القتال في سوريا مع وعود (بجنسية إيرانية) وتهديدات (بترحيل من إيران)، من بين أمور أخرى.

في المقابل يواجههم تحالف يضم عشرات المجموعات السنية، أبرزها “أحرار الشام” و”جبهة فتح الشام”، وهي أيضا، تعمل بالتنسيق فيما بينها. بالإجمال، لا يزال هناك 750,000 شخص في حلب، من بينهم 250,000 محاصرين في الأقسام الشرقية التي تخضع لسيطرة المعارضة.

الأضرار في حلب هائلة، معظمها في البنى التحتية والعلاج الطبي. مع ذلك يرى مسؤولون إسرائيليون أن الوضع هناك لم يصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وبأن القتال في حلب، أو في سوريا، أبعد ما يكون عن نتيجة حاسمة. الروس أيضا، بعد 14 شهرا من دخولهم سوريا، بدأوا يدركون بأن المعارضة السورية أبعد ما تكون عن الإستسلام، وبأنه سيكون عليهم المشاركة في جهود عسكرية مستمرة ومكلفة.