صادقت سلطة التخطيط الإسرائيلية رسميا على مشروع مثير للجدل لبناء قطار هوائي معلق “تلفريك” يعبر وادي “هينوم” (جيهينا) التاريخي مرروا فوق أسوار البلدة القديمة وصولا إلى منطقة قريبة من الحائط الغربي.

وسيقوم المجلس بنشر مصادقته على الخطة في الصحف يوم الجمعة، ما سيتيح للجمهور فترة 60 يوما لتقديم اعتراضاته قبل طرح المخطط للمصادقة النهائية عليه.

ووُصف مشروع  التلفريك على أنه من عوامل الجذب السياحي وحل للاحتقان المروري والتلوث في محيط أسوار البلدة القديمة.

وستنقل العربات السلكية ما يصل عددهم إلى 3000 شخص كل ساعة في ساعات الذروة في 72 مقصوة تتسع كل واحدة منها لعشرة أشخاص بين المنطقة التجارية “المحطة الأولى” وباب المغاربة، بالقرب من الحائط الغربي.

ويلقى المشروع دعما قويا من وزير السياحة، ياريف ليفين، ورئيس بلدية القدس، موشيه ليون، لكنه يلاقى معارضة من قبل عدد من الخبراء الذين يقولون إنه متطفل بشكل لا يطاق وغير مسؤول سياسيا، ولن يحل مشكلة المرور والمشاكل التي يزعم واضعوه بأنه يعالجها.

واختارت الحكومة في العامة الماضي “يوم القدس” – الذي تحتفل فيه إسرائيل بتوحيد شرق المدينة مع غربها بعد حرب “الأيام الستة” في عام 1967 – للإعلان عن تخصيص ميزانية بقيمة 200 مليون شيكل (55.2 مليون دولار) للمشروع، الذي من المقرر أن يبدأ بالعمل في عام 2021.

ويبدأ مسار التلفريك بالقرب من المجمع الثقافي الشهير “المحطة الاولى” في جنوب مركز المدينة، حيث سيمر من مستودع تخزين للعربات السلكية في حديقة عامة في أسفل شارع “عين روغيل” في حي أبو طور، ولكن لن يتوقف فيه.

تصوؤ فني لمحطة تلفريك ستُقام بالقرب من مجمع ’المحطة الأولى’ في القدس.

من هناك، ستمر العربات فوق وادي “هينوم” وستصل إلى محطة في جبل “تسيون”، قبل أن تواصل طريقها مرورا فوق قرية سلوان الفلسطينية إلى وجتها الأخيرة – في “كيدم سنتر” الذي لم يتم بناؤه بعد – وهو مجمع ضخم متعدد الطوابق تخطط مؤسسة “مدينة داوود” لبناءه في موقف السيارات “غيفعاتي”، بالقرب من باب المغاربة، خارج أسوار البلدة القديمة.

وتسعى المظمة – المعروفة من خلال المتنزه الأثري الوطني الذي تديره تحت اسم “مدينة داوود” – إلى نقل عائلات يهودية إلى سلوان، وهي منطقة تطلق عليها اسم “مدينة (الملك) داوود”، وإنشاء متنزهات ومشاريع سياحية لتوسيع الوجود اليهودي داخل حوض المدينة القديمة وفي محيطه.

على الرغم من حقيقة أن المحطة الأقصى شرقا للتلفريك ستقع في مبنى تابع لمؤسسة مدينة داوود، قال أنير أوزيري من “سلطة تنمية القدس”، المسؤولة عن تنفيذ المشروع، إن المشروع سيساعد أيضا السكان الفلسطينيين الذين يشكلون الأغلبية في سلوان، الذي لا توجد لديهم خيارات نقل كافية.

وتستغرق الرحلة التي تبلغ مسافتها 1.5 كيلومترا أقل من خمس دقائق.

انر عوزيري من ’سلطة تنمية القدس’. (Facebook)

ويؤكد عوزيري على أن التلفريك سيوفر حلال مريحا وهادئا وصديقا للبيئة للازدحام في محيط البلدة القديمة ويتطلب القليل من الأراضي وسيواجه تحديات التضاريس الجيلية. وقال أيضا أنه لن تكون هناك حاجة إلى هدم منازل أو أسطح على طول الطريق.

ومع ذلك، انتقد مهندسون معماريون وأكاديميون وخبراء صون ومرشدون سياحيون المشروع.

ووصف هؤلاء المشروع بأنه فكرة غير مدروسة ستؤدي إلى نسيان المشهد التاريخي لـ 15 برجا ومناظر فريدة من نوعها للمدينة القديمة وأسوارها – موقع تراث عالمي لليونسكو – ولا يفعل الكثير لحل مشاكل المرور.

ويدفع زير السياحة ليفين (الليكود) بالمشروع على المستوى الوطني. وبالفعل، بعد عرض توضيحي واحد أمام لجنة التخطيط في القدس، تم نقل الخطة إلى مجلس التخطيط الوطني – هيئة مسار سريع في وزارة المالية تم تشكيلها للتعامل مع مشاريع بنى تحتية كبيرة مثل الغاز والسكك الحديدية التي تعبر حدود السلطات المحلية.

وزير السياحة ياريف ليفين يتحدث في ’مؤتمر القدس السنوي ال15’ الذي تنظمه مجموعة “بيشيفاع’، 12 فبراير، 2018. (Hadas Parush/Flash90)

وقد أدخل تعديل على قانون التخطيط في عام 2016- على ما يبدو مصمم خصيصا للمشروع – مشاريع “البنى التحتية السياحية” إلى تعريف “البنى التحتية الوطنية”، وتحديدا نظم النقل السياحي.

على عكس التسلسل الهرمي العادي للجان المحلية والقطرية حيث يمكن للجمهور تقديم اعتراضاته، وتعلوها لجنة وطنية بإمكان الجمهور تقديم التماسات لها، فإن لجنة التخطيط الوطنية تسمح فقط بفترة معينة من الاعتراضات، والتي  تسميها ب”تحفظات”.

بحسب رؤية المخططين، سيصل المسافرون إلى “المحطة الأولى” من خلال خط سكة حديد للقطار الخفيف يتم التخطيط له حاليا ستكون جزءا من نظام نقل أكبر يضم عربات ترام وحافلات وحتى قطار. وسيتم توسيع مسار القطار السريع بين القدس وتل أبيب، الذي تم افتتاحه في الخريف الماضي فقط بين العاصمة مطار بن غوريون، ليصل في نهاية المطاف إلى داخل المدينة، إذا سارت الأمور كما هو مخطط.

وستظل هناك حاجة لإيجاد حلول لوقوف السيارات بالقرب من “المحطة الأولى”.

وقال عوزيري إن الخطة هي أن تقوم الحافلات بإنزال السياح هناك والتوجه إلى مواقف سيارات سيتم بناؤها خصيصا في هار حوما وغيفعات هماطوس في أقصى جنوب القدس.

حتى لو تم تنفيذ ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف سيقوم عدد كبير من الحافلات باجتياز طريق ضيق وظروف مرورية صعبة خارج “المحطة الاولى”، لا سيما في ساعات الذروة.

الشارع الضيق المؤدي إلى المحطة الأولى على يمين الصورة. (Google instantstreetview)

في خطاب تلاه في جلسة علنية حول المشروع في سبتمبر، قال موشيه سافدي، وهو مهندس معماري كندي-إسرائيلي يتمتع بشهرة دولية، إن المشروع لن يساهم كثيرا في حل مشاكل الوصول إلى المدينة القديمة، بل سيؤدي فقط إلى نقل مشاكل المرور ووقوف السيارات من البلدة القديمة إلى المحطة الاولى، وينبغي استبداله بمجمع لمواقف السيارات داخل الحي اليهودي مع حافلات لخدمة المسافرين.

انطباعات المهندسين المعماريين كانت “مضللة”، على حد تعبير سافدي، وتم تصوير العربات لتبدو أصغر بكثير مما ستكون عليه في الواقع.

وقال: “على حد علمي، لا توجد هناك مدينة تاريخية أخرى في العالم سمحت ببناء نظام تلفريك داخل الحوض البصري لتراثها التاريخي”.

في ديسمبر، نشرت صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية تقريرا عن استنتاجات شركة تخطيط مرور في تل أبيب قام باستئجار خدماتها مشروع التلفريك. بحسب التقرير فشلت هذه الشركة في العثور على اهتمام كاف بين الزوار المستقلين للمدينة، الذي يشكلون الجزء الأكبر من السياج.

المهندس المعماري موشيه سافدي. (YouTube screenshot)

ويرجع ذلك إلى أن الطريق الواضح والأقصر لهؤلاء الزوار إلى البلدة القديمة يمتد من محطة الحافلات المركزية ومحطة القطار الجديدة على طول شارع “يافا” إلى باب الخليل. استخدام وسائل النقل العامة إلى محطة التلفريك في جنوب المدينة سيجعل من الرحلة أطول بكثير.

في وقت سابق من الشهر ذكرت صحيفة “هآرتس” أن “سلطة تنمية القدس” رفضت طلبا قدمته لها منظمة “عمق شبيه” غير الحكومية للاطلاع على دراسة جدوى اقتصادية تم تنفيذها للمشروع بحجة أن نشرها قد “يعطل تقدم المشروع”.

وتعهدت عمق شبيه، وهي منظمة يسارية ملتزمة بحماية المواقع الأثرية باعتبارها تراثا مشتركا لكل الثقافات والأديان في البلاد، بتقديم اعتراضات على المشروع.

المرشح لرئاسة بلدية القدس موشيه ليون يحتفل بانتصاره مع أنصاره في مقر حملته الإنتخابية، بعد فوزه في الانتخابات البلدية في القدس، 14 نوفمبر، 2018. (Yonatan Sindel/Flash90)

ووصف بيان أصدرته المنظمة المشروع بأنه “مدمر” وقالت إنه سيلحق أضرارا بأسوار البلدة القديمة وأفق حوض المدينة القديمة، “يتجرؤون على وصفه بالسياحة”.

في بيان صادر عن رئيس بلدية القدس المنتخب حديثا، ليون، جاء أن “هذا المشروع هو أولوية قصوى للمدينة، وسيوفر لجميع السكان والزوار فرصة للوصول إلى معظم الأماكن المقدسة في القدس وسيخفف من حركة المرور والازدحام في جميع أنحاء العاصمة”.