قلل مسؤولون في القدس هذا الأسبوع من أهمية المفاوضات الحدودية البحرية النادرة بين إسرائيل ولبنان، مؤكدين أن المحادثات التي ستتوسط فيها الولايات المتحدة ستركز حصريا على خلاف بسيط نسبيا حول التحديد الدقيق للمياه الإقليمية لكل من البلدين لتعزيز تطوير التنقيب عن النفط في المستقبل.

وأكد المسؤولون الإسرائيليون أن المحادثات، التي من المقرر أن تبدأ صباح الأربعاء في قاعدة للأمم المتحدة على الجانب اللبناني من الحدود، لا ينبغي بأي حال من الأحوال اعتبارها بداية لعملية تطبيع مماثلة لتلك التي مع الإمارات أو البحرين.

وستشهد المحادثات قيام الوفد اللبناني بإجراء المفاوضات من خلال مسؤولين من الأمم المتحدة والولايات المتحدة مع الإسرائيليين. ولا يعتزم المفاوضون اللبنانيون التحدث مباشرة مع نظرائهم الإسرائيليين على الرغم من أن الجانبين سيجلسان في نفس القاعة، حسبما ورد الأسبوع الماضي.

وقال مسؤولون أميركيون إن المحادثات بين إسرائيل ولبنان على الحدود البرية ستجرى على “مسار منفصل”.

وقال وزير الطاقة يوفال شتاينتس يوم الثلاثاء إن التوقعات بشأن المفاوضات “يجب أن تكون واقعية”، مضيفا “نحن لا نتحدث عن محادثات سلام أو مفاوضات حول التطبيع، بل عن محاولة حل مشكلة تقنية اقتصادية منعتنا طوال عقد من الزمن من تطوير الموارد الطبيعية في البحر لصالح شعوب المنطقة”.

وأضاف شتاينتس أن المحادثات تهدف إلى حل “مشكلة محددة بدقة ومحدودة فيما يتعلق بتلك المياه الإقليمية”.

وقال إن المحادثات ليس لها سوى هدف واحد: السماح لكلا البلدين بالاستفادة من الكنوز المخبأة في البحر – الغاز الطبيعي – في المناطق المتنازع عليها حتى الآن.

وقال مسؤول كبير في وزارة الطاقة الثلاثاء إن الخلاف بين القدس وبيروت صغير، معربا عن تفاؤل حذر بشأن تسويته بسرعة.

وزير الطاقة يوفال شتاينتس في مؤتمر في تل أبيب، 27 فبراير، 2019. (Flash90)

وقال المسؤول لصحافيين في إفادة، متحدثا شريطة عدم الكشف عن اسمه: “إذا جاء الطرف الآخر إلى المحادثات بنهج عملي، فأنا آمل أن نتمكن من حل الخلاف والمضي قدما في غضون فترة قصيرة من الزمن – أسابيع، أشهر”.

وأضاف ساخرا “بالطبع، إذا جاءت الأطراف الأخرى بنية تحقيق نصر آخر على ’العدو الصهيوني’، فيمكنها الاستمرار في الاحتفال بالانتصارات مثلما فعلت على مدار السنوات العشر الماضية”، مضيفا أن الخلاف اللبناني-الإسرائيلي الحالي حول الترسيم الدقيق للحدود البحرية مستمر منذ عقد.

وقال المسؤول: “المسألة مهمة بالنسبة لنا، وحتى أنها أكثر أهمية للطرف الآخر. لدينا بالفعل احتياطات غاز [طبيعي] توفر احتياجاتنا المحلية. لم نعد نستورد النفط الخام والغاز ووقود الديزل لمحطات الطاقة لدينا. كل شيء تقريبا عبارة عن غاز طبيعي”.

وأضاف المسؤول أن إسرائيل تقوم بالفعل بتصدير الغاز إلى الأردن ومصر. من ناحية أخرى، يشتري لبنان وقود الديزل والكيروسين من الخارج بمليارات الدولارات كل عام لمحطاته الكهربائية، وبالتالي، كما قال المسؤول، فإن من مصلحة بيروت أن تأتي إلى المحادثات بأسلوب عملي خشية أن يمر عقد آخر من الزمن قبل أن يبدأ الجانبان في استكشاف احتياطات نفط طبيعية إضافية في المنطقة.

وتأتي محادثات الأربعاء في الوقت الذي يمر فيه لبنان بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية منذ عقود، يضاف إليها انفجار قاتل هز مرفأ بيروت في أغسطس. ويأمل لبنان أن تساعده اكتشافات النفط والغاز الطبيعي في مياهه الإقليمية على سداد ديونه الهائلة.

بدأ لبنان التنقيب البحري في وقت سابق من هذا العام ومن المتوقع أن يبدأ التنقيب عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل في الأشهر المقبلة.

وقال المسؤول الإسرائيلي: “نأتي إلى المحادثات بأسلوب براغماتي وواقعي. إن هدفنا مركّز للغاية. نحن لا نتحدث عن خلافاتنا على الحدود البرية، وبالتأكيد ليس عن التطبيع. هدفنا الوحيد هو حل الخلاف حول المياه الإقليمية الذي كان على مدى السنوات العشر الماضية حجر عثرة أمام تنمية الموارد الطبيعية في منطقتنا”.

و لهذا السبب أيضا تم تكليف وزارة الطاقة وليس وزارة الخارجية بقيادة المفاوضات، كما قال.

الرئيس اللبناني ميشال عون خلال خطاب للأمة في القصر الرئاسي في بعبدا، شرقي بيروت، لبنان، 21 نوفمبر، 2019.(Dalati Nohra via AP)

كما بدا أن الرئيس اللبناني ميشيل عون يستبعد هو أيضا أي فرصة في أن تؤدي المحادثات إلى التطبيع مع إسرائيل.

وتتخذ بيروت منذ فترة طويلة موقفا متشددا بشأن العلاقات مع إسرائيل ومنعت مواطنيها من التواصل مع الإسرائيليين، ويرجع ذلك جزئيا إلى ذكريات الغزو الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه من احتلال لجنوب لبنان لمدة 15 عاما.

وذكرت “الوكالة الوطنية للإعلام” الرسمية اللبنانية الثلاثاء أن الرئيس عون شدد على أن “هذه المفاوضات تقنية ومحددة بترسيم الحدود البحرية، وان البحث يجب أن ينحصر في هذه المسألة تحديدا”، وذلك بعد أن التقى عون بالوفد اللبناني في المحادثات.

وقال المكتب الإعلامي لعون في بيان إن الرئيس عون “أمل… أن يتم التوصل الى حل منصف يحمي الحقوق السيادية للشعب اللبناني”

وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن المحادثات في الأول من أكتوبر، ووصفها بأنها “تاريخية”.

وقال في ذلك الوقت إن موافقة كل من القدس وبيروت على الجلوس للمفاوضات من شأنه أن “يؤدي إلى مزيد من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء”، مضيفا أن “إعلان اليوم هو خطوة حيوية إلى الأمام تخدم مصالح لبنان وإسرائيل والمنطقة والولايات المتحدة”.

جنود حفظ سلام تابعين للامم المتحدة خلال احتفال بمناسبة انتقال السلطة بين رئيس البعثة المنتهية ولايته وخليفته المعين حديثا في مقر اليونيفيل في بلدة الناقورة جنوب لبنان، 7 أغسطس، 2018. (AP / Bilal Hussein)

اجتماع الأربعاء في بلدة الناقورة جنوب لبنان، على بعد حوالي 200 متر من الحدود، يمثل المرة الأولى منذ أكثر من 30 عاما “منذ إجراء أي مفاوضات ذات مغزى بين لبنان وإسرائيل”، وفقا لما ذكره آلان بيكر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية الذي يترأس “معهد الشؤون المعاصرة” في “مركز القدس للشؤون العامة”.

وكتب بيكر في مقالة أصدرها المركز: “تهدف المفاوضات إلى تغطية منطقة متنازع عليها تبلغ مساحتها 330 ميلا مربعا (860 كيلومترا مربعا) تمتد عبر منطقة الحدود البحرية بينهما في شرق البحر المتوسط، الغني بحقول الغاز الطبيعي”.

פורסם על ידי ‏من أجل لبنان أفضل – For a better Lebanon‏ ב- יום חמישי, 1 באוקטובר 2020

“يدعي كلا البلدين أن المنطقة المعنية تقع ضمن ’منطقتهما الاقتصادية الخالصة’ و ’الجرف القاري’، وهما منطقتان نظريتان بطول 200 ميل بحري قبالة سواحلهما وفيهما، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، تتمتع الدول الساحلية بحقوق حصرية لاستغلال الموارد الطبيعية والاستفادة منها”.

وتشمل هذه الموارد الأسماك والغاز والنفط وغيرها من الرواسب المعدنية في قاع البحر والمسطح المائي المتاخم لساحلها، وفقا لبيكر، الذي شارك في مفاوضات حول اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار نيابة عن وزارة الخارجية.

ومن المقرر أن تبدأ محادثات الأربعاء الساعة في العاشرة صباحا في خيمة مفتوحة بمقر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الناقورة.

الرئيس اللبناني ميشال عون، من اليمين، يلتقي ديفيد شنكر، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت، لبنان، 10 سبتمبر، 2019. (Dalati Nohra via AP)

وسيرأس الاجتماع مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر. ولقد قام شنكر برحلات مكوكية بين القدس وبيروت في الأشهر الأخيرة في محاولة للتوصل إلى اتفاق حيث فشلت الإدارات السابقة.

وسيلعب السفير الأمريكي في الجزائر جون ديسروشر دور الوسيط الأمريكي لهذه المفاوضات التي يستضيفها منسق الأمم المتحدة الخاص للبنان يان كوبيس.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان يوم الثلاثاء إن “الاتفاق الإطاري لبدء المناقشات حول الحدود البحرية هو خطوة حيوية إلى الأمام توفر إمكانية تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء”.

يوم الإثنين، قال مكتب عون أن الوفد اللبناني المكون من أربعة أعضاء سيرأسه العميد في سلاح الجو اللواء بسام ياسين، والأعضاء الثلاثة الآخرون هم العقيد البحري مازن بصبوص والمسؤول النفطي اللبناني وسام شباط وخبير الحدود نجيب مسيحي.

أودي أديري (Screen capture: YouTube)

وسيرأس الوفد الإسرائيلي أودي أديري، مدير عام وزارة الطاقة وسيرافقه رئيس مكتب شتاينتس، مور حالوتس، ومستشار الوزير للشؤون الدولية أفيف عياش. وسيحضر المحادثات أيضا نائب مستشار الأمن القومي رؤوفين عازار، ونائب مدير عام وزارة الخارجية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية ألون بار، كما سيحضر المحادثات البريغادير جنرال أورين ستير، رئيس الشعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي.

في الأسبوع الماضي، قالت منظمة “حزب الله” اللبنانية المدعومة من إيران إن المحادثات لا تعني التطبيع أو مفاوضات سلام مع الدولة اليهودية.

وقالت “كتلة الوفاء للمقاومة”، الجناح السياسي للمنظمة، في بيان: “على الرغم من كل الحديث الذي يدور، فإت إطار المفاوضات يتعامل مع حدودنا البحرية الجنوبية واستعادة أراضينا، لترسيم سيادتنا الوطنية”.

وأضافت المنظمة “لا علاقة لذلك مطلقا بـ’المصالحة’ مع العدو الصهيوني الجشع، ولا بالتطبيع الذي تبنته بعض الدول العربية”، في إشارة إلى الاتفاقين الأخيرين اللذين توصلت إليهما إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.

خط عوامات وضعته إسرائيل بالقرب من الحدود البحرية اللبنانية-الإسرائيلية، غير معترف بها من قبل لبنان والأمم المتحدة، كما تظهر من بلدة الناقورة الساحلية الجنوبية، لبنان، 23 يوليو، 2010. (AP Photo / Mohammed Zaatari)

ورحبت قوة حفظ السلام الدولية “يونيفيل” بالإعلان عن المحادثات وقالت في بيان إنها مستعدة “لتزويد الأطراف بكل الدعم المتاح لها”، وأضافت القوة أنها مستعدة أيضا لمساعدة الجانبين في حل نزاعاتهما الحدودية البرية.

هل ما زالت إسرائيل ولبنان تقنيا في حالة حرب؟

لا توجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ولبنان وغالبا ما يقال إنهما لا يزالان من الناحية التقنية في حالة حرب.

وكتب بيكر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية، “ومع ذلك، فإن التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين يبدو وكأنه يلقي بظلال من الشك حول ما إذا كانت حالة حرب رسمية، مع كل ما يوحي به ذلك، موجودة وذات صلة بالفعل”.

واستشهد، على سبيل المثال، باتفاقية مايو 1983 التي أعلن فيها الطرفان “إنهاء حالة الحرب بينهما” واعترف كل منهما رسميا بسيادة الطرف الآخر وسلامته الإقليمية.

آلان بيكر (courtesy am Ambassadoralanbaker.com)

وأشار بيكر إلى أن “الاتفاق تضمن انسحاب القوات الإسرائيلية وإقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان والتعاون الأمني بين البلدين”، مضيفا “للأسف، وبسبب الضغط السوري، لم يُسمح أبدا بالمصادقة على هذا الاتفاق من قبل مجلس النواب اللبناني وتم تعليقه رسميا في 5 آذار 1984”.

وتابع بيكر أنه خلال مؤتمر مدريد عام 1991، تم عقد أكثر من اثنتي عشرة جولة من المحادثات الثنائية بين إسرائيل ولبنان. “خلال هذه المفاوضات، تم تبادل مسودة معاهدة سلام بين الأطراف تضمنت جميع مكونات السلام، والاعتراف بالسيادة، وعلاقات حسن الجوار، والعلاقات الدبلوماسية، والتنسيق الأمني، والتطبيع”، كما كتب.

لكن مرة أخرى، ضغطت سوريا على لبنان لإنهاء المحادثات دون اتفاق.

ساهم في هذا التقرير آرون بوكسرمان ووكالات.