احتقل الكثير من الإسرائيليين يوم الأربعاء بـ”عيد” الذكرى السبعين لخطة التقسيم. في نظر جزء كبير من الجمور الإسرائيلي، يُعتبر قرار الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة رقم 181 المرة الأولى في ألفي عام التي يمنح فيها العالم موافقته على استقلال للشعب اليهودي في أرض أجداده.

ولكن في 29 نوفمبر كانت هناك ذكرى هامة أخرى – ذكرى يختار الإسرائيليون – وحتى الفلسطينيون – بشكل لافت للنظر تجاهلها: قبل خمسة أعوام بالضبط، اعترفت الجمعية العامة نفسها بـ”فلسطين” كدولة، ودعت إلى انسحاب إسرائيلي من جميع الأراضي التي استولت عليها في عام 1967.

لم يكن أي من القرارين ملزما قانونيا ولكنهما حملا رمزية وأثارا مشاعر قوية – سواء كانت آمال أو تخوفات – بين اليهود والعرب.

في عام 1947، صوتت 33 من بين 57 دولة عضو في الأمم المتحدة لصالح خطة التقسيم الأصلية، التي تدعو إلى إقامة دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين الانتدابية، وإلى تدويل القدس. 13 دولة صوتت ضد مشروع القرار وامتنعت 10 دول عن التصويت.

تاريخ القرار معروف: قبل به اليهود ورفضه العرب، وبالتالي لم يُنفذ أبدا. استغرق الأمر ستة أشهر أخرى قبل إعلان قيام دولة إسرائيل في النهاية، في اليوم الذي انتهى فيه الانتداب البريطاني.

ومع ذلك، هذا الأسبوع احتفلت إسرائيل بتاريخ 29 من نوفمبر، 1947، بإعتباره حجر أساس في الطريق الى الإستقلال. يُنظر إلى هذا اليوم بشكل عام على أنه يساوي في قيمته “وعد بلفور” في عام 1917، والذي تعهت من خلاله بريطانيا بدعم “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، أو حتى يفوقه قيمة.

وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دنون يوم الأربعاء في جلسة خاصة للجمعية العامة بمناسبة ذكرى التصويت على القرار، “بالنسبة لإسرائيل كانت هذه لحظة حولت حلما قديما بتقرير المصير إلى معجزة حقيقية”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وصف يوم الثلاثاء خطة التقسيم بأنها “مقدمة لولادة إسرائيل من جديد كدولة مستقلة”.

المتحدث باسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون أضاف جانبا توراتيا في وصفه للتصويت.

وقال في رسالة مصورة نشرها على حسابه على موقع “تويتر”: “بالنسبة لنا، فإن هذه لحظة قوية جدا، وعلى الرغم من حقيقة مرور 70 عاما، لا نزال نعيش هذه اللحظات وكأنها حدثت الآن (…) في التاريخ الطويل للشعب اليهودي، من ممالك يهودا وإسرائيل وصولا إلى دولة إسرائيل الحديثة، لن ننسى أبدا هذه اللحظة التاريخية وسنعتز بها إلى الأبد”.

وكما هو متوقع، أحيا الفلسطينيون الذكرى السبعين لخطة التقسيم بحزن، باعتبارها النذير الأول للنكبة التي حلت عليهم في العام التالي.

وقالت العضو الكبيرة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي “مع تقسيم فلسطين التاريخية، بدأت التضحية بالشعب الفلسطيني وبدأت معاناته”، وأضافت إن “دولة إسرائيل أقيمت على حساب السكان الأصليين لهذه الأرض الذين تم اقتلاعهم بعنف”.

السفير الفلسطيني لدى بريطانيا، مانويل حساسيان، قال إن القرار 181 هو قرار “عنصري” و”أدى إلى… تطهير عرقي ونزع ملكية”، وإلى “العنف المنهجي اليومي والتمييز ونظام الخوف من الاحتلال الوحشي الإسرائيلي”.

الأمم المتحدة تصوت على قرار التقسيم، 29 نوفمبر، 1947. (Courtesy of the Government Press Office, Jerusalem)

المسؤولون الفلسطينيون أشاروا إلى أنه قبل 40 عاما أعلنت الأمم المتحدة عن 29 من نوفمبر “يوما دوليا للتضامن مع الشعب الفلسطيني”، وانتهزوا فرصة إحياء الذكرى السبعين للتصويت هذا الأسبوع لحض العالم على اتخاذ خطوات ملموسة لإجبار إسرائيل على الانسحاب بالكامل من الضفة الغربية والقدس الشرقية، التي سيطرت عليها الدولة اليهودية في عام 1967.

ولكن في التصريحات التي لا تعد ولا تحصى بمناسبة هذا الحدث، لم يشر أي من الإسرائيليين أو الفلسطينيين إلى قرار A/67/L.28 الذي صادقت عليه الجمعية العام للأمم المتحدة وتم تمريره قبل 5 سنوات بالضبط.

بالإضافة إلى منح “فلسطين” مكانة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، أعاد القرار التأكيد على “حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والاستقلال في دولة فلسطين على أرض فلسطين المحتلة منذ عام 1967”. القرار يعلن الدعم أيضا لرغبة الفلسطينيين في أن يصبحوا عضوا كاملا في الأمم المتحدة (ولكن لا يمكن لذلك أن يتم إلا في مجلس الأمن، حيث استخدمت الولايات المتحدة حتى الآن حق النقض ضد كل محاولة كهذه).

الفلسطينيو يحتفلون في مدينة رام الله في الضفة الغربية بتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة غير عضو، نوفمبر 2012. (Issam Rimawi/Flash90)

إسرائيل رفضت طبعا بشدة القرار. وقال سفيرها لدى الأمم المتحدة في ذلك الوقت، رون بروسور، إن الطريقة الوحيدة لتحقيق إقامة دولة فلسطينية هي من خلال “مفاوضات مباشرة بين القدس ورام الله والتي ستؤدي إلى سلام آمن ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

مشيرا إلى خطة التقسيم من عام 1947، التي قال إنها “أصبحت شهادة الميلاد لإسرائيل”، قال بروسور إن المسؤولين الفلسطينيين يرفضون حتى اليوم الاعتراف بالدولة اليهودية، كما تنص عليه الخطة.

عبارة “الدولة اليهودية” تظهر في القرار رقم 181 ثلاثين مرة؛ القرار من عام 2012 لا يأت على ذكر هذه العبارة.

وقال بروسور في خطاب له بعد عملية التصويت: “لم يكونوا أبدا على استعداد لقبول ما اعترفت به هذه الهيئة قبل 65 عاما”.

من جهة أخرى، لا تزال إسرائيل تأمن بالتقسيم، كما قال، مشيرا إلى دعم نتنياهو المعلن لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بدولة إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي.

وقال بروسور: “ذلك صحيح. دولتين لشعبين”.

نتنياهو لم يلغ رسميا هذا الموقف، الذي صاغه لأول مرة في خطاب له في جامعة بار إيلان في عام 2009. ولكن منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العام الماضي، تجنب جاهدا إعادة إعلان تأييده له، ما جعل البعض يعتقد بأنه لم يعد يؤمن بحل الدولتين.

منتقدو إسرائيل فيما يتعلق بقرار عام 2012 راوا في ذلك الوقت أن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لن يغير شيئا على الأرض. هذا التأكيد كان صحيحا جزئيا فقط. للتأكيد، حتى الآن لم تصبح فلسطين دولة مستقلة، ولكن المكانة الجديدة التي منحتها لها الجمعية العامة تفتح الباب أمام رام الله لاكتساب العضوية في منظمات دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية (حيث لا يزال الفلسطينيون يسعون إلى محاكمة قادة إسرائيليين) والإنتربول (حيث أصبح الآن بامكانهم الوصول إلى شبكة الاتصالات العالمية الآمنة للشرطة التابعة للمنظمة).

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتحدث خلال اجتماع في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 25 يوليو، 2017. (AFP Photo/Abbas Momani)

تغير الكثير بين 1947 و2012. والعالم اليوم لا يشبه أيضا ما كان عليه قبل 5 أعوام. لكن الإسرائيليين يحتفلون بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 باعتباره القرار الذي بشر بإقامة الدولة اليهودية ويخاطرون بتجاهلهم خطة التقسيم التي صادقت عليها نفس الهيئة في عام 2012.

قبل 70 عاما، دعمت أغلبية مريحة من دول العالم حل الدولتين الذي قبل به اليهود ورفضه العرب. اليوم، انقلبت الأدوار: يوافق العرب الآن على حل الدولتين، الذي يلاقي معارضة كبيرة في الحكومة الإسرائيلية. لكن المجتمع الدولي ما زال يؤيد وبأغلبية ساحقة خطة التقسيم، وحتى بدرجة أكبر مما كان عليه الحال في عام 1947.

سبعون عاما بعد مصادقته لأول مرة على فكرة وجود دولة عربية إلى جانب دولة يهودية في الأراضي المقدسة، بدأ صبر العالم ينفذ بشأن تطبيق الخطة. ونتيجة لذلك، بدأت أجزاء منه تدعو إلى فرض عقوبات على إسرائيل، مثل المقاطعة والقوائم السوداء.

في الوقت الذي يمجد فيه الإسرائيليون تأييد الامم المتحدة للتقسيم في الماضي، قد يكون الوقت قد حان ليبدأوا التفكير فيما إذا كانوا لا يزالون يؤيدون الفكرة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تحقيقها.