في عام 2013، قام إدوارد سنودن، وهو مواطن أمريكي قامت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) باستئجار خدماته كمتعهد، بتسريب آلاف الوثائق السرية التابعة لوكالة الأمن القومي التي كشفت عن أنشطة المراقبة العالمية للولايات المتحدة، بالتعاون مع بريطانيا وكندا وأستراليا.

سنودن فر إلى روسيا، ودفع الغضب الشعبي الذي أثارته الوثائق التي كشف عنها إلى إجراء إصلاحات قانونية في الولايات المتحدة ونقاش واسع النطاق هناك وفي أماكن أخرى حول الطريقة التي تجمع فيها وكالات الاستخبارات الحكومية البيانات عبر الإنترنت.

هذا النقاش، وتداعيات الرقابة على حقوق الخصوصية للأشخاص الذين يتم التجسس عليهم، يجب أن يدور في إسرائيل لضمان عدم انتهاك حقوق الانسان، بحسب ما جاء في تقرير نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوم الأربعاء.

في حين أنه كان هناك نقاش عام نشط حول مسألة وثائق الهوية وجوازات السفر البيومترية في إسرائيل وإنشاء قاعدة بيانات وطنية تضم البيانات البيومترية لجميع مواطني إسرائيل “لم يكن هناك أي نقاش تقريبا للقواعد التي تنظم المراقبة على الإنترنت لأغراض أمنية؛ وعلى وجه الخصوص، كان هناك القليل من النقاش حول التشريعات القائمة وتوافقها مع الواقع الاجتماعي والتكنولوجي اليوم ومع معايير حقوق الانسان”، وفقا لما جاء في التقرير.

‘دوارد سنودن يظهر على شاشان فيديو في ’مؤتمر كايوس للاتصال ال34’ المنعقد في لايبزيغ، ألمانيا، 28 ديسمبر، 2017. (Sebastian Willnow/dpa via AP)

إن استخدام التكنولوجيا الحديثة لجمع وتخزين وتحليل بيانات الاتصالات عبر الانترنت يمكن أن يثمر عن معلومات استخباراتية عن أهداف المراقبة أكثر تفصيلا وثراء من ذي قبل، كما يقول الباحثان أمير كهانا ويوفال شاني، الأخير خبير في حقوق الانسان والقانون الانساني في الجامعة العبرية في القدس ويترأس حاليا لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة.

الخطر في ’انتهاك كبير للخصوصية’

ولكن يجب النظر أيضا إلى “الانتهاك الكبير في الخصوصية” الذي يتعرض له الأشخاص الذين تتم مراقبتهم وأولئك الذين يقومون بالتواصل معهم.

إن دائرة المتأثرين تتنامى بشكل كبير عندما تقوم وكالات الاستخبارات باستخدام “أساليب جمع بالجملة”، والتي تستخرج كميات هائلة من البيانات حول الاتصالات بدلا من استهداف أفراد محددين.

إن انتهاك الحق في الخصوصية هو مجرد نتيجة واحدة للمراقبة على الإنترنت، بحسب التقرير، الذي يشير إلى “الأثر المروع” الذي يمكن أن يكون على الأشخاص بعد إدراك تعرض المرء للتجسس، على حريتهم في التعبير وسلوكهم.

بروفسور يوفال شاني، نائب رئيس البحوث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ورئيس لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة. (Courtesy)

تبين لكهانا وشاني أن القانون الإسرائيلي لا يعالج الجمع بالجملة للاتصالات على الإنترنت، ناهيك عن وضع أحكام خاصة بالظروف الإستثنائية التي قد يسمح فيها بهذا النوع من رحلات الصيد.

القانون لا يضع قواعد أساسية لطول الفترة التي يمكن فيها تخزين محتوى وتفاصيل المشاركين في الاتصال، على النقيض من قوانين الإتحاد الأوروبي والتشريعات في ألمانيا وبريطانيا.

علاوة على ذلك، على عكس بلدان أخرى، فإن القانون الإسرائيلي بالكاد يتعامل مع استخراج البيانات على الانترنت – التحليل الإحصائي لقواعد البيانات الذي قد يشمل الإحالة المرجعية مع مخازن بيانات أخرى تحتفظ بها الحكومة.

ويدعو الباحثان صناع القرار إلى النظر في تقييم التشريعات الخاصة باستخدام جمع المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر التي تستخدم أيضا شبكات التواصل الاجتماعي.

صلاحيات شرطة استثنائية

في حين أن منظمات خاصة تستخدم استخراج البيانات لأغراض تجارية، فإن “صلاحيات الشرطة الاستثنائية”الخاصة بالدولة قد تؤدي إلى انتهاكات أكثر خطورة للخصوصية، كما يحذر كهانا وشاني.

ويورد التقرير بالتفصيل التكتم الواسع الذي يمنحه القانون الإسرائيلي الحالي للحكومات لوضع قواعد لأنشطة المراقبة التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات.

علاوة على ذلك، مهما كانت القواعد فهي تبقى سرية.

“في حين أن هذه السرية تيسر التفسير والتطبيق المرن للقانون لتلبية الاحتياجات العملياتية الملحة، فإن الطبيعة الخفية لهذه المرونة التفسيرية – التي لا تكون صحتها متاحة للرقابة العامة – تعني أنها قد تؤدي إلى انتهاكات لحماية حقوق الانسان”.

الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أمير كهانا.(Courtesy)

وكالات الاستخبارات المعنية بالتنصت على أشخاص غير ملزمة بتقديم طلب للمحاكم، وهي فقط بحاجة إلى الحصول على تصريح مسبق من الوزير المسؤول.

في حالة أنواع معينة من التنصت، فإن “قانون التنصت” يعفيها من أي تصريح.

ووجد الباحثان أن المراجعة القضائية لممارسات المراقبة على الإنترنت، في حين أنها غير شاملة، لكنها قائمة في بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يمكن لمحكمة تعيين فرد خارجي لضمان أن لا تتم المصادقة بشكل تلقائي لمقدمي طلبات التنصت على هذه الطلبات.

ويوصي التقرير بإدخال لوائح لتحديد أين ومتى وما الذي يمكن لهيئات مثل الشرطة الإسرائيلية، جهاز الأمن العام (الشاباك) والموساد جمعه من بيانات اتصالات على الإنترنت والمدة التي يمكنها فيها تخزين هذه البيانات.

’حظر جميع البيان على الإنترنت بالجملة’

ينبغي أن يحظر القانون الإسرائيلي جمع البيان بالجملة ما لم تكن هناك ضرورة قصوى في ظروف محددة، وفي حالة كهذه يجب أن تضمن الإجراءات تقليل انتهاكات الحقوق إلى الحد الأدنى.

ولا بد من أن يقوم التشريع بتحديد ما المسموح فيما يتعلق بإلإحالة المرجعية لقواعد البيانات المختلفة، والاستخدامات التي يمكن فيها وضع نتائج المعالجة الإحصائية، ومدى إمكانية تنفيذ هذه المعالجة تلقائيا، من دون تدخل بشري.

هذه الصورة تظهر صفحات ويب لمكاتب الإتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، مقر الاتصالات والمراقبة الإلكترونية للحكومة البريطانية، وجهاز الأمن (MI5)، جهاز الأمن الداخلي التابع للحكومة في لندن، 25 نوفمبر، 2016. Photo/Alastair Grant)

كما يجب أن يقوم القانون بتحديد صلاحيات السلطات في جمع المعلومات المتاحة من شبكات التواصل الاجتماعي وتحديد حدود الاستراتيجيات مثل الملفات الشخصية المزيفة للحصول على معلومات غير عامة بشكل كامل.

ويقول التقرير إن الإجراءات للحصول على معلومات من منصات مثل “غوغل “و”فيسبوك” تحتاج هي أيضا إلى تنظيمها في القانون، وأن تقتصر على أهداف ضيقة تتعلق بجرائم خطيرة والأمن القومي، وأن تكون مفتوحة لمراجعة قضائية.

ويتعين توسيع المراجعة القضائية ولا بد من إعطاء القضاة صلاحيات معززة من أجل الإيعاز ببدائل أقل تدخلا وضمان أن يتم استخدام المعلومات فقط للأغراض المطلوبة.

السرية المفرطة

ويوصي واضعا التقرير أيضا برفع غطاء السرية عن القواعد التي بموجبها تحصل أجهزة إنفاذ القانون والأمن على معطيات من شركات الاتصالات وعلى مدى حصول هذه الأجهزة – بقدر الإمكان – على مثل هذه المعطيات واستخدام صلاحياتها للتنصت.

وأخيرا، كما يقول الباحثان، لا بد من تشكيل سلطة إشرافية مستقلة للاطلاع على أنشطة المراقبة الجارية على الانترنت للهيئات الحكومية، والتحقق من الامتثال للأحكام والأوامر، وتقديم المشورة والتوجيه المهني فيما يتعلق بجوانب حماية الخصوصية في اللوائح ذات الصلة.

هذه الصورة من 6 يونيو، 2013 تظهر مقر وكالة الأمن القومي الأمريكية في فورت ميد بولاية ماريلاند الأمريكية. (AP Photo/Patrick Semansky, File)

وإذا لم يتم ذلك، فلا بد من توسيع صلاحيات سلطة حماية الخصوصية حتى يكون بإمكانها الإشراف على المراقبة على الإنترنت، أو تعيين أمين مظالم للتحقيق في الشكاوى، والاسراع في ايجاد حلول ونشر نتائجها بشكل دوري مع الحفاظ على سرية أصحاب الشكوى.

ويجب إلزام رؤساء أجهزة الأمن بتقديم تقرير سنوي للجنة الدستور والقانون والعدل ولجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست حول عدد عمليات التنصت التي تم تنفيذها لأغراض متعلقة بأمن الدولة.

وينبغي الزام الشرطة الإسرائيلية بتقديم تقرير سنوي حول استخدامها للصلاحيات التي يمنحها لها “قانون الإجراءات الجنائية (صلاحيات إنفاذ القوانين – بيانات الاتصال)”، بحسب التقرير.