تل أبيب (جي تي ايه) – يتم التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن قبل وسائل الإعلام أيضا، حول تقارير مفادها أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مشتبه بتبييض الأموال.  ولا يزال التحقيق أوليا، دون الإعلان عن أية تفاصيل بعد.

تم استجواب رئيس الأركان السابق في الآونة الأخيرة ووضعه تحت الإقامة الجبرية، حسب ما ذكر في علاقة مع لجنة التحقيق، ومن المتوقع أن يتم استجوابه هو ونتنياهو وربما أفراد من عائلته المتورطين في القضية، وفقا للتقارير.

إنها ليست المرة الأولى التي تحقق فيها السلطات حول ارتكاب مخالفات من قبل نتنياهو أو زوجته سارة. وإن تم فتح تحقيق جنائي كامل، من المؤكد أنه لن يكون التحقيق الأول لرئيس وزراء أو موظف شعبي بارز.

يقضي رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت عقوبة السجن بتهمة الرشوة وعرقلة سير العدالة. الرئيس السابق موشيه كاتساف يقيم في السجن بتهمة الإغتصاب. وتم التحقيق مع رئيس الوزراء السابق ارييل شارون لإتهامه بالرشوة عندما دخل في غيبوبة عام 2010 والتي لم يستيقظ منها حتى وفاته.

وكان وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان محور تحقيقات على مدى عقدين من الزمن، والتي بلغت ذروتها في تبرئته من اتهامات الإحتيال في عام 2013. وقضى وزير الداخلية أرييه درعي مدة في السجن بتهمة الرشوة ابتداءا من عام 2000.

هذه ليست سوى أمثلة قليلة لجرائم شخصيات رفيعة المستوى. وكان أيضا للشرطة الإسرائيلية والحاخامية الكبرى نصيبا من الفضائح في السنوات الأخيرة، وأصبح تحقيقات أولية مع موظفين عموميين أمر شائع.

إذا ما الذي يحدث في الأرض المقدسة؟

يوسي شاين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب وجامعة جورج تاون، يجيب على هذا السؤال في كتابه “لغة الفساد والثقافة المعنوية في إسرائيل”، الذي أثار عام 2010 ضجة في إسرائيل حول ادعائه بأن إسرائيل حريصة بشكل متزايد بالتحقيق وتوجيه الإتهام لقادتها.

يوسي شاين (Courtesy)

يوسي شاين (Courtesy)

جلس شاين مع الـ”جي تي ايه” الأسبوع الماضي لشرح بحثه في ضوء أخبار نتنياهو.

جي تي ايه: لماذا يبدو دائما أنه يتم التحقيق مع سياسيين إسرائيليين؟ هل هناك كم غير عادي من الفساد الحكومي؟

شاين: “كلا، إسرائيل ليست فاسدة وفقا للمعايير العالمية. انها في أدنى  مستويات الفساد بالمقارنة مع الدول الأخرى. هناك أناس جيدون جدا في النظام السياسي الإسرائيلي. الناس المتلهفون، متلهفون أيديولوجيا، ليسوا فاسدين، وأقول ذلك في كتابي”.

الذي يحدث في إسرائيل هو انها دولة سرعت العملية الديمقراطية منذ عهد الآباء المؤسسين، وأضعفت النخبة السياسية. مع تحول ديمقراطي في السياسة لم تبق هناك أرستقراطية، ولم تعد هناك كرامة. لذا بدلا من الكرامة تبحث عن استقامة. ماذا تعني بإستقامة؟

كانت حجتي الكبيرة أنه منذ لم يستطع الإسرائيليين التوحد حول أي قضية أخرى في المجتمع – الأراضي المحتلة والدين والدولة – كان هناك انهيار معين، ما يقارب عربدة وحدة لتجريم النظام السياسي. إن لغة الفساد في إسرائيل تشكل هروبا من أي لغة أخرى تحتاجها.

وهذه حلقة شريرة. “انهم فاسدون! قم بالتحقيق!” كيف يمكنك أن تعرف أنهم فاسدون؟ “لأننا نسمع أنهم فاسدون، ونرى التحقيقات”.

عندما تبحث السلطات في القضية، يمكن تحمل الضغط الجماهيري. إن وضعت هذه القضية جانبا، سيقولون انك فاسد أيضا. أو في بعض الأحيان تقول الشرطة، هنا تكمن قضية حياتي. سوف أحقق بذلك، وسيتم تخطي جميع الحدود.

وزير الخارجية السابق افيغادور ليبرمان يدخل محكمة الصلح في القدس للادلاء بشهادته في قضية الفساد ضده، 29 مايو 2013 (Matti Friedman/Times of Israel)

وزير الخارجية السابق افيغادور ليبرمان يدخل محكمة الصلح في القدس للادلاء بشهادته في قضية الفساد ضده، 29 مايو 2013 (Matti Friedman/Times of Israel)

ولكن بعض هذه القضايا تنتهي في أحكام السجن – اولمرت، كتساف ودرعي، على سبيل المثال. أليست هذه قضايا فساد؟

وبطبيعة الحال في إسرائيل، كما هو الحال في كل بلد، هناك حالات يعبر فيها السياسيين حدودهم، وعندما يعبرون حدودهم، يجب أن يعاقبوا بشدة. في قضية أولمرت، أقول بشكل حريص. كان لي العديد من المناقشات مع اولمرت لأجل بحثي عندما انفجر كل شيء. لقد قبلني وفتح قلبه لي، وأصبحت متعاطفا اتجاهه. تمنيت له كل خير.

لكن الإسرائيليون سريعين جدا في التجريم وإرسال المشتبهين إلى السجن. لا نتعامل بإسترخاء مع الفساد. أصبحنا مجتمعا حاقدا.

الحقيقة أنه لا يجب تجريم كل ما هو غير أخلاقي. حتى في السلوك الجنسي. على سبيل المثال، [في عام 2006، وزير العدل آنذاك] حاييم رامون اتهم وأدين بتهمة الإعتداء الجنسي لمحاولته تقبيل امرأة [موظفة حكومية]. وتم تعيين لجنتين لذلك. هل استخدم لشانه أو لم يفعل؟ ولم ترد المرأة الإدلاء بشهادتها. لقد تعقبوها بحماسة.

إن كان حاييم رامون قد أساء التصرف، لم يكن ذلك جنائيا. إن حاول تقبيلها أم لا، لم ينبغي أن يوجه ذلك لائحة اتهام جنائية مع ثلاثة قضاة يتابعوها لعدة سنوات. ينبغي أن يكون ذلك غير مناسبا، وعلى الجمهور أن يحكم بأنه تصرف بشكل غير لائق، وانه يجب ان يطرد.

أصبحت تلك قضية تجمع ماءا. انها قضية حرجة.

كلما يقول المدعي العام الإسرائيلي سنقوم بتقديم التهم، عليك الإستقالة. إن المدعي العام الإسرائيلي هو أقوى شخص في العالم، كتب شلومو افنيري [كبير العلوم السياسية الإسرائيلي]، أقوى من الرئيس الأميركي.

كان بامكان بيل كلينتون أن يكون بالسجن في اسرائيل على قضية مونيكا لوينسكي. بسهولة.

كيف تتلائم التحقيقات الأولية لنتنياهو مع أطروحتك الخاصة؟

الحقيقة أن نتنياهو حصل على المال من مجرم في فرنسا [المحتال المدان ارنو ميمران، والذي اعترف رئيس الوزراء انه تلقى تبرعات منه]: أخبار سيئة. الآن، سيقول بيبي [نتنياهو]، كيف كان لي أن أعرف أن الرجل مجرم؟ الاندفاع للحصول على المال من المانحين مشكلة كبيرة في السياسة. ماذا يمكنك أن تفعل حيال ذلك؟ يحدث نفس الشيء في أمريكا.

وكان نتنياهو في السلطة لفترة طويلة. وكلما زادت فترة بقائك في السلطة، كلما أصبحت اكثر غطرسة، وأقل حذرا.

كم من المال يعتبر عبورا لحدود معينة؟ ما هي القواعد والتعليمات؟ ما الذي يعتبر انتهاك أخلاقي مقابل مخالفة جنائية؟ هذه هي القضايا الكبرى التي لست أملك إجابات لها.

الرئيس الأسبق موشيه كتساف، من اليسار، الذي يقضي عقوبة 7 سنوات بالجسن بتهم إغتصاب، مع زوجته غيلا، وهو يغادر سجن معسياهو لقضاء إجازة خارج السجن بمناسبة عيد الفصح العبري، 3 أبريل، 2015. (Flash90)

الرئيس الأسبق موشيه كتساف، من اليسار، الذي يقضي عقوبة 7 سنوات بالجسن بتهم إغتصاب، مع زوجته غيلا، وهو يغادر سجن معسياهو لقضاء إجازة خارج السجن بمناسبة عيد الفصح العبري، 3 أبريل، 2015. (Flash90)

الحقيقة أننا نناقش الأمور هنا كل الوقت هو جزء لا يتجزأ من الفكرة، إننا لا نستطيع أن نتحد حقا على أي قضية أخلاقية أخرى. اتهام السياسيين يضعف النظام السياسي وأيضا يعطي للجمهور فكرة مثل، إن كانوا فاسدين لهذه الدرجة، لماذا علي الإنصياع لقواعدهم؟ هذا أمر خطير جدا. تم قول هذا بالفعل في القرن الثامن عشر من قبل إدموند بيرك، المنظر السياسي الايرلندي. وحذر الآباء المؤسسين لأمريكا الجميع: سوف تبدأون بالقول ان كل منا فاسدين.

انها جزء من لغة الديمقراطية، والتي تنحدر من لغة الشمولية. طهر هتلر الفاسدين. طهر ستالين الفاسدين. الجميع يطهر الفاسدين. لأنه امر جيد دائما. يمكنك تطهير كل ما تريد.

كيف انتقلت اسرائيل من كونها بلد اشتراكي موحد لوضع تصفه اليوم؟

تغيرت الأزمنة. هناك ازدهار في إسرائيل. هناك أموال. الحياة جيدة هنا.

عندما كان لأول رئيس وزراء إسرائيل دافيد بن غوريون سياسات فاسدة، كان ذلك لأنه حصل على كتب من المفكر اليهودي الروسي-البريطاني يشعيا برلين والتي أرسلت له من أموال حكومية. اليوم كان سيتم سجنه على ذلك. الحصول على كتب أكسفورد لمكتبته الخاصة؟ مدهش! الفكرة أن رئيس الوزراء يقرأ. فكر في الأمر. هذا جنون. ولكن حدث هذا في زمن عندما كان لا يزال هناك تواضع وتقشف في المجتمع ولدى الساسة الإسرائيليين.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك فكرة “البروتيكتسيا” [الرعاية والعلاقة الشخصية]. كل شخص يحصل على وظيفة ان كان عضوا في الحزب الحاكم [ماباي]. لا يمكننا اليوم فعل أي شيء من هذا القبيل. لذلك هناك أشياء جيدة وأخرى سيئة.

لقد نشأت في منزل حيث اعتبر الذهاب إلى المطعم مناسبة كبيرة في حياتي. لم يملك والدي سيارة. لقد ترعرعت دون تلفزيون. كان والدي يأخذني على دراجته. الآن، أخذ أطفالي إلى مطعم في نهاية كل أسبوع، بطبيعة الحال أو أكثر. أنهم يطيرون ذهابا وإيابا الى خارج البلاد. لقد تعودوا على المال. أنا لست غنيا. أنا أكاديمي. لكن الإسرائيليين يسافرون. يسافرون هنا، ويسافرون هناك.

وثم لديك جميع أنواع الفضائح إن سافر نتنياهو في الدرجة الأولى. واتهم أولمرت لحصوله على نقاط من خطوط الطيران في قضية ريشون تورز. [واتهم لتزويره نفقات سفره. ]

سارة نتنياهو تصل للإدلاء بشهادتها في قضية ميني نفتالي في محكمة العمل في القدس، 10 مايو، 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

سارة نتنياهو تصل للإدلاء بشهادتها في قضية ميني نفتالي في محكمة العمل في القدس، 10 مايو، 2015. (Yonatan Sindel/Flash90)

قيل ان رؤساء الوزراء الإسرائيليين لقد اتخذوا قرارات تاريخية لتحويل الأنظار عن التحقيقات ضدهم: إخلاء شارون للمستوطنين من قطاع غزة أو حرب لبنان الثانية لأولمرت وعرض السلام السخي للفلسطينيين. حتى الدبلوماسية الإقليمية الأخيرة لنتنياهو. ما رأيك بذلك؟

لا اشتري ذلك.

ماذا ينبغي القيام به لتغيير لغة الفساد والثقافة الأخلاقية لدولة إسرائيل؟

لا توجد حلول. فكرت في ذلك كثيرا. إتقاد مكتب المدعي العام سوف يهمد لأن الرياح تتغير. يفهم الناس أن النائب العام لا يخلو من الطموحات، وأنه لا ينبغي التسرع في أي استنتاجات بأنه ينبغي اتهام السياسيين.

رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت في المحكمة العليا في القدس، 19 يناير 2016 (Amit Shabi/Pool)

رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت في المحكمة العليا في القدس، 19 يناير 2016 (Amit Shabi/Pool)

يدرك الإسرائيليين غرور البيروقراطيين، الذي كتب عنه المفكر الألماني ماكس فيبر. للبيروقراطيين مصلحة في وصف السياسيين على أنهم فاسدين، والتي تمنحهم قوة أكبر، بما في ذلك في النظام القانوني. هل تستوعب هذا؟ لأنهم بيروقراطيين موضوعيين دائما بطبيعة الحال. ليس لهم أي مصلحة. اهتمامهم هو في المصلحة العامة.

لا تزال وسائل الإعلام نفسها. وسائل إعلام امسكت بك. اوقعت بك! يريد الجميع الحصول على السبق الصحفي. ان أمكنك الحصول على هذه الفضيحة، الحصول على الفضائح الجنسية، فتكون في حالة جيدة جدا. فهذا يبيع. كما تبيع الشائعات الجيدة أيضا.

إذا هذا هو. هذه هي طبيعة الأشياء. ستحدث فضائح. لكن في السنوات القليلة الماضية، لم يكن هناك الكثير منها. كان هناك البعض.

إذا كان سيتم توجيه الإتهام لنتنياهو، فبالطبع سيكون ذلك كبيرا.