يبدو الإرهاب الفلسطيني لعام 2015 مختلفا جدا عن النوع الذي شهدته إسرائيل في السنوات الأولى من الإنتفاضة الثانية. الأسلحة مرتجلة، لا يوجد هناك “مطلوبين” تبحث عنهم إسرائيل لتدبيرهم الهجمات؛ في الواقع، في الغالب لا يوجد هناك دعم تنظيمي. ولكن الجهود لشن هجمات ضد أهداف إسرائيلية تشهد ازديادا.

بحسب إحصائيات الشاباك، منعت قوات الأمن الإسرائيلية 17 هجوما إنتحاريا حتى الآن هذا العام – 17 في سبعة أشهر فقط. هذا الرقم لا يشمل هجمات منعتها السلطة الفلسطينية، التي قامت بتفكيك عدد من الخلايات التي خططت لهجمات كهذه.

5 هجمات من الـ17 التي أحبطتها إسرائيل كانت من تخطيط نشطاء من حماس، 5 خططت لها فصائل أخرى، والهجمات السبعة المتبقية لم يتم ربطها بأية منظمة. بكلمات أخرى، يتم تشكيل الخلايا المسلحة في كثير من الأحيان الآن من دون الإنتماء إلى منظمة فلسطينية، ولكن على أساس المعرفة بين أصدقاء، زملاء في الجامعة و/أو الاتصالات عبر شبكات التواصل الإجتماعي. وتواجه أجهزة الأمن صعوبة حقيقية في إختراق هذه الخلايا.

من المفترض أن هذا النوع من الإرهاب هو “للهواة” أكثر. ولكن حتى الآن هذا العام أيضا منعت إسرائيل 8 عمليات إختطاف كان مخططا لها من قبل ما يسمى ب”هواة” – وهذه الأرقام أيضا لا تشمل عمليات الإختطاف التي منعتها السلطة الفلسطينية. من بين هذه العمليات الثمانية، خطط نشطاء من حماس لـ4 منها، في حين أن البقية كانت من تخطيط الجهاد الإسلامي وفصائل أخرى.

في المجمل، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2015، منعت المؤسسة الأمنية والدفاعية الإسرائيلية 111 محاولة هجوم، من بينها هجمات إطلاق نار وتفجيرات إلى جانب عمليات إختطاف وعمليات إنتحارية.

داني جونين، 25 عاما من اللد قتل يوم الجمعة، 19 يونيو، 2015  على يد مسلح فلسطيني قرب مستوطنة بالضفة الغربية دوليف (فيسبوك)

داني جونين، 25 عاما من اللد قتل يوم الجمعة، 19 يونيو، 2015 على يد مسلح فلسطيني قرب مستوطنة بالضفة الغربية دوليف (فيسبوك)

حماس هي الجاني الرئيسي، كما تظهر معطيات الشاباك، وهي مسؤولة عن أكثر من نصف هذه المحاولات (62 على وجه التحديد، أو 55%)، ولكن حتى حماس لا تستخدم الأساليب نفسها التي استخدمتها بين الأعوام 2000 و2006 في الضفة الغربية. نشطاءها يعملون في الغالب على أساس محلي – نشطاء حماس الذين يعرفون بعضهم البعض منذ أيام الطفولة، هم جيران في مدينة فلسطينية أو قدموا من القرية نفسها. إحدى هذه الخلايا عملت في بيت لقيا، وليس من موديعين، من دون أية مساعدة خارجية ومن دون تمويل من غزة أو من الخارج.

غالبا تعتمد هذه الخلايا على الإرتجال في إختيارها للسلاح وخططها في إستخدامه. من المفاجئ أن الكلاشنيكوف لم يعد في الموضة؛ احتلت مكانه أسلحة مصنعة محليا. يشمل ذلك سلاح “كارلو”، على إسم بندقية كارل غوستاف عديمة الإرتداد، التي يتم إنتاج النسخة الفلسطينية منها في الضفة الغربية ويستخدمها عدد غير قليل من النشطاء الفلسطينيين. تكلف بندقية “كارلو” حوالي 700 دينار أردني (3,700 شيكل؛ حوالي 1,000 دولار). الكلاشنيكوف أو الام-16 تكلفان أكثر من ذلك بكثير.

النشطاء أيضا لم يعودوا “الإرهابيين” الذين كانوا في الماضي. أن تكون مطلوبا اليوم في الضفة الغربية لم يعد “IN”. هم لا يرغبون في نمط حياة “المطلوبين”؛ فما يريدونه هو تنفيذ الهجوم والإفلات من ذلك – والعودة إلى أعمالهم وحياتهم العادية.

في كل حالات الهجمات التي تم إحباطها تقريبا، كانت الأهداف في الأراضي الفلسطينية وليس في إسرائيل. لم يكن أي هجوم من الهجمات الإنتحارية التي تم إحباطها مخططا لتنفيذه داخل الخط الأخضر، كما يبدو بسبب الخطورة والتعقيد المنطويان على ذلك. النشطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية في عام 2015 يعتبرون أنه من الأسهل المشاركة في هجمات إطلاق نار أو زرع قنابل على جانب الطريق في الأراضي الفلسطينية، وأن يكون المستوطنين والجنود أهدافهم.

مناصرون فلسطينيون لحركة حماس يشاركون في مسيرة عشية إنتخابات مجلس الطلبة في جامعة بير زيت، في ضواحي مدينة رام الله، الثلاثاء، 6 مايو، 2014. (Abbas Momani/AFP)

مناصرون فلسطينيون لحركة حماس يشاركون في مسيرة عشية إنتخابات مجلس الطلبة في جامعة بير زيت، في ضواحي مدينة رام الله، الثلاثاء، 6 مايو، 2014. (Abbas Momani/AFP)

هناك أيضا مجموعات ذات تنظيم أفضل، عبر هرمية إقليمية في الضفة الغربية. ولكن مجموعات كهذه تكون أقل خطورة لأنها تكون عرضة أكثر للجهود الإستخباراتية سواء من الشاباك أو من السلطة الفلسطينية. تذكر هذه المجموعات بهرمية “حماس الكلاسيكية”، التي تحشد الدعم من خلال مجموعة من الخدمات الإجتماعية، التي تُُعرف ب”الدعوة”، وتقوم من خلالها بتجنيد نشطاء. لديهم وجود مثير للإعجاب، على سبيل المثال في الإتحادات الطلابية التابعة لحماس، ولا سيما منها تلك التي في جامعة النجاح في نابلس وبير زيت شمال رام الله. أبلت حماس بشكل جيد للغاية في إنتخابات إتحاد الطلبة في هذه الجامعات بسبب نشاطها الإجتماعي واسع النطاق للطلاب.

هناك أيضا البنى التحتية التابعة لحماس التي يتم توجيهها من قبل “مركز قيادة الضفة الغربية” في قطاع غزة. مجموعة من النشطاء الذين تم إطلاق سراحهم في صفقة غلعاد شاليط عام 2011 وترحيلهم إلى قطاع غزة قاموا بإنشاء، داخل الجناح العكسري لحركة حماس هناك، مبنى قيادي لتوجيه الهجمات في الضفة الغربية. كل عضو في هذه المجموعة مسؤول عن خلية، عادة يكون مقرها في المنطقة التي كان يعيش فيها، والإشراف على التجنيد.

مركز القيادة هذا في الضفة الغربية تقوده مجموعة من النشطاء من الخليل في الأصل، على رأسهم عبد الرحمن غنيمات. في بعض الأحيان يقومون بتحويل الأموال إلى أتباعهم في الضفة الغربية، ولكن نجاحاتهم حتى هذه اللحظة كانت محدودة جدا. على الرغم من أنهم يعملون من داخل الجناح العكسري في غزة، ولكن توجد هناك درجة من الفصل الإجتماعي والثقافي أيضا. أعضاء “مركز قيادة الضفة الغربية” لا يُعتبرون ذات قيمة خاصة، لإعتبارهم ضيقي الأفق ومتحذلقين.

ناشط حماس صالح العاروري (لقطة شاشة من YouTube)

ناشط حماس صالح العاروري (لقطة شاشة من YouTube)

أخيرا هناك خلايا حماس في الضفة الغربية التي تتلقى أوامرها من القيادة في الخارج. أبرز القياديين وأكثرهم شهرة في الخارج هو صالح العاروري، الذي تتهمه إسرائيل بأنه العقل المدبر لجريمة إختطاف وقتل الفتية الإسرائيليين الثلاثة في عام 2014 – وهي العملية الإرهابية التي أدت في نهاية المطاف إلى إندلاع الحرب التي استمرت 50 يوما في الصيف الفائت. بحسب تقرير في أخبار القناة العاشرة، غادر العاروري مؤخرا تركيا ويعيش في الوقت الحالي في الدوحة بقطر، إلى جناب القيادة السياسية للمنظمة.

ويُعتبر العاروري “القائد العسكري للضفة الغربية”، وهو ناشط صاحب قدرة وشخصية كاريزماتية وشكاكة وذكية للغاية مع اتصالات ممتازة في الخارج وبين الفلسطينيين. في الماضي، كان يتحدث مع الصحافيين الإسرائيليين بشكل روتيني.

على عكس مجموعات إرهابية أخرى وقياداتها، يركز العاروري في جزء كبير من أنشطته على المدى البعيد – حيث يقوم بإنشاء خلايا نائمة، وتهريب أسلحة ذات جودة عالية, أحمد النجار، الذي قضى بعض الوقت في الأردن وقام بتنسيق هجوم إطلاق النار الدامي في شهر يونيو والذي راح ضحيته ملآخي روزنفيلد، هو أحد نشطاء حماس المنفيين الذين يعلمون بالتوازي معه.

يفضل العاروري البقاء بعيدا عن الأنظار بشكل عام، ولا يتم تنسيق كل الهجمات معه. هدفه الرئيس هو إعادة بناء البنى التحتية لحماس في الضفة الغربية، التي تضررت بشكل كبير في العقد الماضي. إذا كان ما يميز الإرهاب الفلسطيني اليوم هو غياب الدعم التنظيمي الفعال، فإن العاروري في طليعة الجهود الرامية لتغيير ذلك.