مرة أخرى هناك أنباء عن إستقالة الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية. ومرة أخرى هناك أنباء عن مفاوضات بين إسرائيل وحماس حول إتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد في غزة. يبدو هذه المرة أن هناك علاقة بين الخبرين.

لنبدأ أولا بالأنباء القادمة من الضفة الغربية. يتحدث محللون وسياسيون فلسطينيون منذ مدة عن أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يدرس إمكانية إنهاء حكومة التوافق الوطني التي تم تشكيلها بعد إتفاق المصالحة الأخير بين حركتي فتح وحماس قبل نحو عام تقريبا. قال أحد مساعدي عباس المقربين عصر الأربعاء أن عباس قبل بإستقالة حكومة التوافق وطلب من رئيس الوزراء رامي الحمد الله تشكيل حكومة جديدة.

وقعت “أحداث دراماتيكية” مشابهة في الماضي. من بينها إستقالة حكومة سلام فياض، التي واصلت عملها كحكومة إنتقالية لعامين تقريبا. على الأرجح أن تكون الواقعة الحالية كتلك التي سبقتها أو شبيهة لها. بكلمات أخرى، سيحاول عباس، من خلال إستقالة الحكومة، إيصال رسالة إلى حماس بأن الحكومة الجديدة لن تتظاهر حتى بأنها “حكومة تصالح”، ولن تحاول المساعدة في حل مشاكل غزة، كما تفعل الحكومة الحالية.

لخطوة كهذه لن يكون أي تأثير سياسي تقريبا. وذلك لأن حماس بنفسها لا تسمح لحكومة رامي الحمد الله بالعمل في قطاع غزة. وحتى ولو قامت الحكومة بالإستقالة بالفعل، مع إعادة تعيين الحمد الله في منصب رئاسة الحكومة، فكيف ستختلف سياسات وأنشطة الحكومة الجديدة عن تلك التي سبقتها.

إذا لماذا يحدث كل ذلك الآن؟ قد تكون هذه محاولة لوقف الدعم المتزايد لحماس في الضفة الغربية، ولكنها قد تكون أيضا باردة عجز أمام المحادثات التي تجري تحت الطاولة بين إسرائيل وحماس.

في الواقع، تشهد المحادثات الغير مباشرة بين إسرائيل وحماس تقدما، حيث يناقش الجانبان إقتراحا لوقف إطلاق نار طويل الأمد. على الطاولة أيضا هناك إقتراح قطري-تركي لميناء عائم قبالة سواحل غزة.

يبدو الآن أن حماس لا تخفي رغبتها في التوصل إلى إتفاق هام مع إسرائيل – إتفاق من شأنه أن يغير الوضع الإقتصادي في غزة بشكل كبير ويعزز من مكانة حماس على نحو إستثنائي. إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، لا تظهر علامات على أن لديها نية في قبول الإقتراح. مع ذلك، تجري شخصيات إسرائيلية غير رسمية تمثل الحكومة في القدس محادثات مباشرة مع مسؤولين كبار في حماس حول مسائل حساسة أخرى. المسؤولون في السلطة الفلسطينية على علم بهذه المحادثات، وهم في حالة ذهول. يخشى المسؤولون في رام الله من أن إتفاقا كهذا سيشكل ضربة موجعة أخرى لمكانة فتح ويساهم في تعزيز قوة حماس أكثر.

إحتمال أن توافق إسرائيل على إقتراح كهذا بدا بعد بضعة أشهر من حرب الصيف الفائت في غزة بعيد المنال. ترى السلطة الفلسطينية أن خشية نتنياهو من إزدياد الضغوطات الدولية بعد التوصل إلى إتفاق بين القوى العظمى وإيران (المقرر أن يتم إبرامه في أواخر هذا الشهر)، بالإضافة إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة حول الحرب في غزة، قد يدفعان بإسرائيل إلى الموافقة على وقف إطلاق نار طويل الأمد مع حماس. قد تنتج عن إتفاق كهذا سنوات كثيرة من الهدوء مع قطاع غزة، إلى جانب الفائدة الإضافية التي تتمثل في تخفيف الضغوط من المجتمع الدولي على إسرائيل للتوصل إلى إتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية.

المأزق الذي تجد السلطة الفلسطينية نفسها فيه لا ينتهي هنا. لا السلطة الفلسطينية ولا سكان الضفة الغربية يرغبون بصراع عنيف على نطاق واسع مع إسرائيل. يرغب الفلسطينيون بإستقرار وضعهم الإقتصادي وتحسين شؤونهم في الضفة الغربية.

لا توجد لإسرائيل أية مشكلة مع ذلك. وقد رحب الشارع الفلسطيني بدون شك بإجراءات تخفيف القيود الهامة التي أعلن عنها منسق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية الميجر جنرال يوآف مردخاي الثلاثاء بمناسبة حلول شهر رمضان. مردخاي هو شخصية محبوبة ومقبولة في القيادة الفلسطينية. يقول عنه مسؤلون في رام الله بأنه يعرف كيفية التعامل مع الأمور. ولكن المفارقة هي أن تخفيف القيود الذي أعلن عنه مردخاي قد يعزز أيضا من الوضع الراهن الذي يهدد مستقبل السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية ليست الوحيدة التي تقف مذهولة أمام التقارب المفاجئ بين إسرائيل وحماس وقطر وتركيا. كذلك مصر، التي تعتبر هؤلاء الثلاثة أعداء لها بسبب دور قياداتهم في تنظيم “الإخوان المسلمون”، تجد صعوبة في فهم السياسة الإسرائيلية.

قد يكون هذا هو السبب الذي يقف وراء القرار المصري الغير متوقع بفتح معبر رفح الحدودي لمدة أسبوع (بعد أن كان مغلقا لمدة 3 أشهر) والسماح لآلاف الأطنان من الأسمنت في الدخول إلى قطاع غزة من دون تفتيش أمني (كما ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الثلاثاء). قد تكون مصر قامت بهذه الخطوة بسبب ضغوطات سعودية على القاهرة لإبقاء حماس في المعكسر السني بدلا من دفعها إلى أحضان إيران. ولكن قد تكون مصر قد هدفت إلى توجيه رسالة واضحة لإسرائيل: إذا قمتم بالتحدث مع حماس ومع أعداء آخرين، لن نعمل بكل القوة لمنع تهريب بعض المواد إلى غزة.

إلى أين يتجه كل ذلك؟ هذا غير واضح. لا يبدو أن هناك في الأفق أية مبادرة دبلوماسية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. ومن غير المتوقع أيضا أن يتخذ عباس أية خطوات دراماتيكية، على الأقل ليس قبل توصل القوى العظمى إلى إتقاق كامل مع إيران في نهاية هذا الشهر. بعد ذلك، السماء هي الحد بالنسبة له: بإمكانه التوجه إلى مجلس الأمن، وتخفيف التعاون الأمني وما إلى ذلك. مع ذلك، يبدو أنه سيحاول المبادرة إلى خطوة دبلوماسية أحادية الجانب ضد إسرائيل بعد إنتهاء شهر يونيو، ربما لجعل حماس وإسرائيل تتوصلان إلى تهدئة أو إتفاق هدوء مؤقت بسرعة أكبر.

بهذه الطريقة، سيكون قادرا على تصوير نفسه بأنه صاحب الخط القتالي في التعامل مع إسرائيل، في حين ستكون حماس الحركة التي وافقت على التغير بشكل جذري ووقف نيرانها ضد “العدو الصهيوني”.