قبل شهر تقريبا من انتخابات الكنيست في عام 2015، زار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مقر تابع للمعسكر الديني الوطني في إطار حملته؛ أكاديمية “بني دافيد” ما قبل العسكرية في مستوطنة إيلي في الضفة الغربية.

في بداية خطابه أمام مئات الحاضرين في قاعة دراسية في الحرم الجامعي، وضع رئيس الوزراء قنينتي ماء بلاستيكيتين على المنصة.

القنينة التي كانت على اليمين مثلت حزب الليكود التابع له. القنينة التي كانت على اليسار، مثلت حزب “الاتحاد الصهيوني” المنافس. الحزبين خاضا منافسة شديدة في ذلك الوقت. في إشارة إلى القنينتين، قال نتنياهو للقاعة المليئة بالقادة الطامحين في الحركة الدينية القومية: “يجب أن نختار الحزب ذا كمية المياه الأعلى”.

“الكتل الإنتخابية لن تحدد؛ بل إن حجم الحزب هو الذي سيحدد طبيعة الحكومة المقبلة”، قال. وكان يشير بذلك إلى ما يحدث بعد أن يتم تقييم نتائج الانتخابات: رئيس الدولة يختار الحزب الذي لديه أفضل فرصة لتشكيل حكومة مستقرة – بشكل عام الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد – ويدعو زعيمه لتشكيلها.

استخدم نتنياهو وداعميه هذه الحجة أثناء الحملات الانتخابية المتتالية في محاولة لجذب الناخبين إلى الليكود من الأحزاب الأصغر في اليمين. اختيار الجمهور الملائم لهذا الخطاب بالتحديد كان خطوة حذرة – فلم يحدث هذا الحدث خارج الخط الأخضر فحسب، حيث كان الناخبون الإسرائيليون يميلون بشكل قاطع نحو اليمين، ولكنه استهدف على وجه التحديد الناخبين المتدينين الوطنيين، الذين رغم أنهم يشكلون ثلث جميع المستوطنين فقط، هم الفئة الفرعية الأكثر تماسكا وتأثيرا من بين اليهود البالغ عددهم حوالي 450.000 نسمة والذين يعيشون في الضفة الغربية.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث في أكاديمية “بني دافيد” ما قبل العسكرية في مستوطنة إيلي في 11 فبراير 2015. (لقطة شاشة / يوتيوب)

اختيار مستوطنة إيلي هو دليل على فهم نتنياهو لكيفية تصويت المستوطنين. لم يذهب إلى مستوطنات علمانية مثل أرئيل أو باركان، حيث تعد مجموعة كبيرة من السكان مؤيدين لحزب الليكود. كما أنه لم يختار مستوطنة أرثوذكسية متطرفة مثل بيتار عيليت أو عيمانويل، حيث نادرا ما يمنح السكان المحليون أصواتهم للأحزاب غير الحريدية.

في حين أن المستوطنين المتدينين الوطنيين لديهم حزب قطاعي خاص بهم – “البيت اليهودي”، الذي أصبح الآن اتحاد الأحزاب اليمينية – إلا أنه ليس لديهم ولاء بنفس درجة ولاء المتدينون الأرثوذكس لأحزابهم. لقد ظهرت هذه الحقيقة في نتائج الانتخابات عام 2015، والتي خلالها حاز الليكود على خمسة مقاعد من “البيت اليهودي” في الأسابيع الأخيرة من الحملة – على ما يبدو بسبب الرسائل التي وضعها نتنياهو في أماكن مثل “بني دافيد”.

أما مستوطنة إيلي، التي لم تشمل أي أصوات لحزب الليكود في عام 2013، شهدت تصويت أكثر من 20% من الناخبين الذين يبلغ عددهم 1500 ناخب تقريبا لليكود عام 2015. وقد ظهرت أرقام مشابهة في المستوطنات الدينية الوطنية في جميع أنحاء البلاد.

في نهاية المطاف، قفز الليكود من 20 إلى 30 مقعدا ليتفوق على “الاتحاد الصهيوني” في تلك الانتخابات، جزئيا بفضل أنصار “البيت اليهودي” الذين تركوا حزبهم بثمانية مقاعد فقط، أي ثلثي 12 مقعدا كان قد حصل عليها في انتخابات عام 2013.

يبدو أن نتنياهو ينفذ نفس الاستراتيجية التي تبناها قبل أربع سنوات. إحدى محطاته الأولى في الحملة الانتخابية في يناير كانت “غوش عتسيون” جنوب شرق القدس، حيث زار معهد “مغدال عوز”، وهو مؤسسة دينية وطنية أخرى، تبعتها زيارة في “نتيف هئفوت”، وهي مستوطنة متدينة وطنية أخرى تم اخلاء وتدمير 15 منزلا فيها العام الماضي. هناك، تعهد أمام السكان أنه لن يتم إخلاء او تدمير أي مستوطنة يهودية تحت قيادته، وطلب دعمهم من أجل ضمان أن يبقى في منصبه للوفاء بوعده.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (وسط الصورة) يلتقي بالعائلات التي هُدمت منازلها في مستوطنة “نتيف هئفوت” العام الماضي، في مستوطنة إليزار في الضفة الغربية، 28 يناير، 2019. (المجلس الإقليمي غوش عتسيون)

عامل الخوف

بالنسبة لنتنياهو، لطالما كان المعسكر الديني الوطني، بالإضافة إلى كتلة المستوطنات، هدفه المفضل لتقوية قاعدته – لدرجة أنه عندما خرج نفتالي بينيت وأيليت شاكيد من البيت اليهودي في ديسمبر، زعمت شاكيد أن القطاع الذي يمثله حزبهما لطالما كان “في جيب [رئيس الوزراء]”.

ما الذي قد يجعل الناخبون المتدينون الوطنيون يدعمون “البيت اليهودي” وحزب “اليمين الجديد” التابع لبينيت وشاكيد، الأحزاب التي تم تأسيسها لتمثيلهم؟ وفقا لتامار هيرمان، المديرة الأكاديمية لمركز غوتمان للرأي العام وأبحاث السياسة في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، لكي يحصل ذلك فإن على المتدينين الوطنيين أن يشعروا بالثقة في أن الليكود سيستمر حتى دون تصويتهم.

“إذا كان هناك اعتقاد بأن هناك تهديدا حقيقيا لحكومة يمينية، فعندئذ سترى المزيد من الناس يصوتون لصالح الحزب المحوري – الليكود – من أجل خلق موقف يكون فيه واضحا على أي جانب من السياج سوف تسقط القطعة النقدية”، قالت.

مضيفة: “هذا الوضع مُضاعف داخل الخط الأخضر، حيث يميل الإسرائيليون لأن يكونوا أكثر أيديولوجية. هناك، الخوف من حكومة التي تخلي المستوطنات أكثر وضوحا – ويحمل إمكانية وجود تأثير مباشر جدا. لا شيء مثل الخوف من فقدان البيوت يضمن الخروج للتصويت”.

يفسر هذا القلق الارتفاع في دعم الليكود في عام 2015، عندما شكّل الاتحاد الصهيوني تهديدا مشروعا لحكم نتنياهو المستمر. توقعت الاستطلاعات التي جرت في الفترة التي سبقت التصويت أن “الاتحاد الصهيوني”، وهو دمج لحزبي “العمل” و”هتنوعا”، سيحصل على مقاعد أكثر من الحزب الحاكم. في المقابل، لم يكن سباق 2013 يشكل تهديدا لقاعدة نتنياهو. أما يئير لابيد، الذي احتل حزب “يش عتيد” المركز الثاني مع 19 مقعدا مقارنة بـ 31 مقعدا لحزبي الليكود و”إسرائيل بيتنا”، فقد خاض حملة لتولي منصب وزير المالية وليس منصب رئيس الوزراء. وبالتالي، نجح حزب البيت اليهودي في الحصول على 12 مقعدا.

مستوطنون وناشطون يمينيون يحتجون على الهجمات المستمرة ضد الإسرائيليين في الضفة الغربية خارج مكتب رئيس الوزراء في القد ، 16 ديسمبر 2018. (Yonatan Sindel / Flash90)

وقالت هيرمان إن عدم وجود اختلافات إيديولوجية كبيرة بين الليكود و”البيت اليهودي” يجعل من السهل على المنتخبين اليمينيين القفز بين الحزبين.

وعلى غرار المعسكر الأرثوذكسي المتشدد (الحريدي)، فإن المعسكر الديني القومي يصوت كمجموعة وفقا لما يقرره حاخاماتهم. لكن على النقيض من الحريديم، الذين يصوتون على وجه الحصر تقريبا للأحزاب الحريدية، فإن الناخبين الدينيين القوميين مستعدون للانتقال بين الفصائل السياسية من أجل التقدم في جدول أعمالهم. ينظر الصهاينة المتدينون إلى جوهر الدولة كعنصر للخلاص الوطني، وبالتالي هم أقل قلقا بشأن الولاء للحزب عندما يُنظر إلى قداسة الدولة.

ماذا عن الآخرون؟

مع كل التركيز على المعسكر الديني القومي، فإنه لا يزال يشكل 12% فقط من السكان اليهود في البلاد وثلث جميع المستوطنين. ثلثا الإسرائيليين الآخرين في الضفة الغربية إما أكثر علمانية أو أكثر أرثوذكسية؛ جميعهم يعيشون في المقام الأول في المدن ويتبعون أنماط التصويت المشابهة تماما لأقرانهم داخل الخط الأخضر.

ومع ذلك، ففي الوقت الذي أصبح فيه المستوطنون الذين يلبسون ’الكيباه‘ المصنوعة من الكروشية بطرق عديدة وجه الحركة الدينية القومية في جميع أنحاء البلاد، لا يتمتع المستوطنون الأرثوذكس المتشددون والعلمانيون بتأثير إيديولوجي كبير على نظرائهم داخل إسرائيل. وبالتالي، يرى السياسيون أن هناك حاجة أقل لتكريس موارد في الحملات داخل المستوطنات الأرثوذكسية غير الوطنية في حين يمكن استخدام هذه الموارد بشكل أفضل في المدن الإسرائيلية التي يزيد عدد سكانها عن الضعف مقارنة بالمستوطنات.

في مستوطنة “موديعين عيليت” الأرثوذكسية المتشددة، على سبيل المثال، في الانتخابات الثلاثة الأخيرة صوت ما بين 93-96% من المدينة التي يبلغ عدد سكانها 73,000 نسمة للأحزاب الحريدية “يهدوت هتوراة المتحدة” و”شاس”. تم تسجيل أرقام مماثلة في بني براك، حيث صوت ما يقارب من 85% من المدينة البالغ عددهم حوالي 190,000 للأحزاب المتشددة في الانتخابات الثلاثة الماضية.

في مدينة أريئيل التي تسودها غالبية علمانية (20.000 مواطن)، صوتت نسبة 46% من السكان لصالح الليكود في انتخابات 2015، على غرار 43% في مدينة العفولة الشمالية (50.000 نسمة). في حين كان لدى العفولة عدد أكبر من مؤيدي “الاتحاد الصهيوني” مقارنة مع أريئيل (11% مقارنة مع 5%)، فإن الانقسام السياسي في كلتا المدينتين انحرف بشكل كبير إلى اليمين.

رجل متدين أرثوذكسي يدلي بصوته في مركز اقتراع في مستوطنة بيتار عيليت في الانتخابات العامة الإسرائيلية للبرلمان العشرين، 17 مارس 2015. (Nati Shohat/Flash90)

الأمور تغيرت

التطور الأخير بين ناخبي المستوطنين – وهو تطور الذي من المتوقع أن يؤثر تأثيرا عميقا على الانتخابات القادمة – هو ظهور مجموعة فرعية دينية وقومية جديدة تدعى “الحرداليم”، والتي تميل نحو الأرثوذكسية المتشددة. في حين كانت هذه المجموعة قوة هامشية في “البيت اليهودي”، أصبحت قوة مهيمنة في الحزب، كما هو واضح من الزعيم الجديد الحاخام رافي بيريتس، واندماجه مع بتسلئيل سموتريتش في “الاتحاد الوطني” والذي يعتبر “حردال” متشدد بنفسه.

مهد تعزيز هؤلاء الزعماء والانشقاق من بينيت وشاكيد الطريق أمام الاندماج الإضافي مع حزب “عوتسما يهوديت” المتطرف المكون من تلاميذ الحاخام الراحل المتطرف مئير كهانا.

في حين أن أتباع كهانا قد شكلوا العديد من الأحزاب لخوض الانتخابات على مدى العقدين الماضيين – وحصلوا على دعم غير متناسب من المستوطنين المتدينين المتشددين – لم يتمكنوا من عبور عتبة الانتخابات بحزب مستقل.

لكن منذ إندماج “عوتسما يهوديت” في فبراير مع “البيت اليهودي”، تنبأت استطلاعات الرأي بأن القائمة اليمينية المتطرفة سيكون لها ممثل واحد في الكنيست القادمة، وربما اثنين.

هذا يعني أن حزب “البيت اليهودي” سيحصل على دعم كبير في المستوطنات المتشددة وسيتمتع بشعبية خاصة لم يحصل عليها في العقد الماضي. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تصوت مستوطنة يتسهار في شمال الضفة الغربية (1600 نسمة)، التي منحت ما يقارب 73% من أصواتها للأحزاب اليمينية المتطرفة في الانتخابات الأخيرة، لصالح اتحاد أحزاب اليمين بقيادة “البيت اليهودي”.

حزب البيت اليهودي يصوت على تحالف مع حزب ’عوتسما يهوديت’ في بيتاح تيكفا، 20 فبراير 2019 (Gili Yaari/Flash90)

بالنظر إلى أن جميع سكان المستوطنات يشكلون أقل من 6% من مجموع الإسرائيليين (حوالي خمسة مقاعد في الكنيست)، فإن مثل هذه المداولات حول تشعبات فرعية داخل فئات أخرى تعتبر فرعية بحد ذاتها، قد تبدو هامشية. ومع ذلك، حذرت قائدة الإستيطان دانييلا فايس، رئيسة المجلس المحلي السابقة في كيدوميم، من تجاهل هذه الفئات خلال الحملة الانتخابية.

وأشارت إلى أن “سكان يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وخاصة الصهاينة المتدينين، هم من بين الفئات الأكثر نشاطا في السياسية في إسرائيل ويصلون إلى المزيد من المناصب في السلطة بفضل ذلك”.

إن محطات حملة نتنياهو الإنتخابية على مر السنين تشير إلى أنه يدرك هذه الحقيقة مثل أي شخص آخر، ومن المرجح أن ينخرط في حملة مكثفة خارج نطاق الخط الأخضر في الأسابيع المقبلة قبيل الإنتخابات في 9 أبريل.

لكن على رئيس الوزراء أن يقوم بذلك بتوازن دقيق. مع وجود أحزاب يمنية أخرى مثل “كولانو” و”إسرائيل بيتنا” التي تتأرجح على عتبة الانتخابات، يتعين على رئيس الوزراء تجنب سحب الأصوات من الأحزاب التي سيحتاجها مباشرة بعد الانتخابات من أجل تشكيل ائتلاف.