يبدو من المستبعد أكثر فأكثر، ولكن ليس مستحيلا، أن تقوم إدارة أوباما بدعم قرار قد يحرج الحكومة الإسرائيلية في الأمم المتحدة، أو أن يسعى إلى بطريقة أخرى إلى توريث إطار للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. لكن وزير الخارجية المنتهية ولايته جون كيري قام بما هو أكثر من مجرد إحراج رئيس الوزراء وإئتلافه الحكومي الأحد. في تصريحات أدلى بها أمام “منتدى سابان” في العاصمة الأمريكية واشنطن، فرّغ كيري أربع سنوات تقريبا من الإحباط وخيبة الأمل من بنيامين نتنياهو وزملائه، محذرا من أن إسرائيل تتجه نحو “مكان خطير”، ومشيرا إلى أن المشروع الإستيطاني يشكل حافزا مركزيا لكارثة محتملة.

مستقبل مختلف وأكثر إشراقا، كما أشار، هو أمر ممكن لإسرائيل، لكن المستوطنين يقومون بتدميره. وكان دروه الرئيسي، كما وضح بمرارة، هو العمل خلال الأعوام الأربعة الماضية هو دور النبي الذي كان بإمكانة رؤية إقتراب المأساة، لكن تحذيراته ذهبت أدراج الرياح.

لا، كما قال وزير الخارجية، متنازلا لنتنياهو، الذي تحدث عبر تقنية “فيديو كونفرنس” قبله، في هذه النقطة، المستوطنات “ليست سبب الصراع”. لكن، وكما كرر مرات عدة، هي تشكل بكل تأكيد “عقبة” جوهرية أمام الحل. “دعنا لا نخدع بعضنا بعضا”، كما قال، “لا يمكنك طمس ذلك من خلال القول أنه لا يوجد لها تأثير. يوجد لديها تأثير”.

ولم يحمّل كيري نتنياهو شخصيا مسألة إستخدام المستوطنات لهدف متعمد وهو ضمان أن لا يكون هناك حل دولتين. لكن اليمين الإسرائيلي، على حد قوله، يقوم بشكل إستراتيجي بجلب المزيد والمزيد من المستوطنين إلى الضفة الغربية، ويقوم بوضعهم في أماكن محددة جدا، لهذا الهدف بالتحديد – لضمان ألا تكون هناك دولة فلسطينية قابلة للتطبيق. ونتنياهو هو من يشرف على العملية.

ازداد عدد السكان اليهود في المستوطنات بحوالي 20 الفا منذ دخول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض، كما قال، عشرات البؤر الإستيطانية غير القانونية في طور شرعنتها، وهذه العملية الجارية “تضيق أكثر وأكثر القابلية للسلام”.

مع عزم واضح على إستغلال الحدث، إحدى فرصه الأخيرة كوزير للخارجية، لطرح رؤيته وأسباب فشله في نقلها إلى حيز الواقع، أكد كيري على أنه يتحدث بصفته صديقا لإسرائيل، كدبلوماسي لم يسعى أبدا إلى فرض حل، وكحليف إستراتيجي احترم دائما احتياجات إسرائيل الأمنية.

بحسب طريقة حديثه، كانت هذه مهمة ناكرة للجميل – في محاولة لإنقاذ إسرائيل من نفسها في الأساس، وبالتحديد من منشئي المستوطنات ضيقي الأفق في اليمين، ودعاة إسرائيل الكبرى التي ستكلف إسرائيل إما أغلبيتها اليهودية أو ديمقراطيتها، أو كلتاهما، من خلال منع انفصالها بشكل تدريجي عن ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية. “أحيانا هناك ميل لإطلاق النار على الرسول”، كما قال بإمتعاض.

معظم الوزراء الإسرائيليين في الحكومة الحالية يعارضون علنا إقامة دولة فلسطينية، كما أشار بحزن. والمستوطنات هي وسيلتهم. البناء المتواصل يلقى دعما من اليمين “لأنهم لا يريدون السلام”، كما قال وأضاف: “يريدون منع السلام (…) هذا هو تاريخ الحركة الإستيطانية يا أصدقائي”.

كاشفا عن تفاصيل جديدة من جهوده للتوصل إلى اتفاق في عام 2013-2014، مع إقتراب مغادرته للمنصب، شرح كيري بالتفصيل بعضا من الأحكام الأمنية التي، كما قال، كان بإمكانها تمكين إنسحاب إسرائيلي كبير، وتسهيل إقامة “دولة مدينة” فلسطينية صغيرة ومنزوعة السلاح في الضفة الغربية. الأردنيون كانوا على إستعداد لبناء سياج أمني متطور على الجانب الأردني من غور الأردن، والفلسطينيون على جانبهم. كان بإمكان القوات الإسرائيلية إرسال مرحيات إلى بؤر توتر في غضون دقائق. كانت هناك “طرق متعددة” لإسرائيل لنشر جنودها في أوقات الأزمات، على حد قوله، في إشارة إلى إقتراحات إنتقدها بشكل بارز وزير الدفاع حينذاك موشيه يعالون في عام 2014 معتبرا إياها “لا تساوي قيمة الورقة التي طُبعت عليها”.

وأشار وزير الخارجية الأمريكية، الذي من الواضح أنه ما زال غير مقتنع بأن إعتراض إسرائيل إستند بالفعل على مخاوف من منظمات متطرفة قد تملأ أي فراع يتركه الجيش الإسرائيلي من ورائه، أشار بشكل مبهم إلى “القرارات السياسية” في إسرائيل التي أحبطت جهوده – مشيرا كما يبدو إلى أن نتنياهو، على الرغم من إدراكه لمخاطر دولة ثنائية القومية، يفتقد للإرادة في مواجهة الصقور لصالح المصالح الأوسع للبلاد. لم يكن الإستقرار والهدوء بعيدي المنال بالنسبة لإسرائيل، كما قال كيري، ولكن لا يمكن تحقيقهما إذا “كنت تقوم طوال الوقت ببناء وجودك” في مناطق يراها الفلسطينيون جزءا من دولتهم. وبالنسبة للفكرة المحببة على قلب نتنياهو في سلام إقليمي مع الدول العربية بداية، والتسوية مع الفلسطينيين في وقت لاحق في المستقبل، فانسوا الأمر. “لن يكون هناك سلاما منفصلا مع العالم العربي”، كما أكد كيري.

وفي رد على سؤال عما إذا كان الأوان قد فات لحل الدولتين الآن؟ رد كيري “لم نجتز (نقط التحول) بعد ولكننا نقترب منها”.

في اعتراض على جهود أوباما-كيري، أشار تقارير إلى وصف يعالون لكيري في عام 2014 بأنه شخص “مسيحاني” و”مهووس بشكل غير مفهوم” في سعيه إلى تحقيق إتفاق مضيفا أن “الشيء الوحيد الذي ’سيخلصنا’ هو أن يفوز كيري بجائزة نوبل للسلام وأن يتركنا بسلام”. كيري لم يحصل على جائزة نوبل، طبعا، وإسرائيل، كما يبدو، نجحت بصده بفعالية.

كيري لم ينجح أبدا في تغيير قناعة نتنياهو بأن الشرق الأوسط في الوقت الحالي، مع تقلباته الوحشية، ليس بمكان مناسب لتقديم تنازلات ذات مخاطر عالية عن الأرض. ونتنياهو لم ينجح أبدا في تغيير إيمان كيري بأن المصلحة الشخصية الأساسية لإسرائيل تتطلب العمل بنشاط نحو اتفاق يضمن حل الدولتين. مع انتهاء وقت الإتصال عبر الإقمار الإصطناعية مع نتنياهو قبل لحظات من بدء كيري بحديثه، ربما كان يوم الأحد آخر جولة من حوار الصم بين الرجلين.