في أوائل سبتمبر، أدرك مسؤولو البلدية في كفر قاسم أنهم يقفون أمام أزمة: في غضون أسابيع قليلة فقط، خرجت جائحة فيروس كورونا في مدينتهم عن السيطرة.

يقول رئيس بلدية كفر قاسم عادل بدير: “كانت لدينا أيام شاهدنا فيها 50% من الفحوصات في المدينة تعود بنتائج إيجابية”.

تقع كفر قاسم، التي يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة شرقي مدينة تل أبيب، مباشرة داخل الخط الأخضر الذي يفصل إسرائيل والضفة الغربية. بينما سلمت المدينة من الموجة الأولى من فيروس كورونا في إسرائيل، بعد شهور سجلت كفر قاسم 170 إصابة بكورونا لكل 10,000 شخص، وهو ثاني أعلى معدل في البلاد.

يقول مدير البلدية أيال كانتس: “بالنظر إلى الوراء، رأينا أن العديد من حفلات الزفاف الكبيرة جعلتنا ليس مدينة حمراء فحسب، وإنما مدينة حمراء بشكل استثنائي. هذا كل ما يتطلبه الأمر”.

كانت هو حالة نادرة في إسرائيل: مدير يهودي لسلطة محلية عربية. أمضى سنوات في العمل في مؤسسة “إنجاز”، وهي منظمة غير ربحية تدعم الحكم المحلي العربي، قبل أن يصبح مدير بلدية كفر قاسم.

رئيس بلدية كفر قاسم عادل بدير (يمين) ومدير البلدية أيال كانتس (يسار). (courtesy: Ayal Kantz)

كفر قاسم لم تكن وحيدة على الإطلاق: قبل بدء سريان الإغلاق الثاني في إسرائيل قبل شهر تقريبا، شكل المواطنون العرب في إسرائيل، وهم خُمس سكان البلاد، حوالي 30% من حالات الإصابة بكورونا في إسرائيل -الوسط ذات معدلات الإصابة الأعلى بالفيروس إلى جانب الوسط الحريدي.

غالبا ما تم إلقاء اللوم على حفلات الزفاف الكبيرة، التي تقام عادة في الصيف، على أنها مصدر تفشي المرض في الوسط العربي. “لا شك في أن التجمعات الكبيرة وحفلات الزفاف كان لها تأثير كبير على الوسط العربي”، كما يقول الدكتور فهد حكيم، مدير المستشفى الإنجليزي في الناصرة، “بالنسبة لنا، يمكن أن تستمر حفلات الزفاف لمدة سبعة أو حتى عشرة أيام، بحضور آلاف الأشخاص”.

ويتذكر حكيم قائلا: “كنا على شفا كارثة. رأينا أعضاء طواقمنا الطبية يدخلون الحجر الصحي بأعداد كبيرة”.

لكن في الشهر الأخير، تراجعت نسبة الإصابات في صفوف المواطنين العرب في إسرائيل إلى حوالي 10% وهي مستمرة في الانخفاض، وفقا لنائب منسق كورونا الوطني أيمن سيف.

كيف نجحت كفر قاسم في ذلك؟

يعزو مسؤولو البلدية نجاح كفر قاسم في تسطيح المنحنى إلى عدد من العوامل، بما في ذلك حملة في وسائل الإعلام المحلية والتعاون الوثيق مع السلطات الوطنية. كما تحركت البلدية بسرعة، حيث أغلقت مدارسها حتى قبل فرض الإغلاق في سبتمبر.

إلا أن أحد أهم المشاريع كان تضافر الجهود لتتبع وعزل أولئك الذين تعرضوا للفيروس. مع ارتفاع عدد الحالات في أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر، أدرك مسؤولو البلدية أنهم فقدوا قطعة مهمة من اللغز: من يحتاج إلى الحجر الصحي؟

يقول كانتس إن السلطات المحلية تحصل على قوائم بأسماء الأشخاص الذين تأكدت إصابتهم بكورونا من وزارة الصحة، ولكن  لم تكن هناك معطيات لكل المدينة بالنسبة لأولئك اللذين قد يكونون تعرضوا للفيروس. جعل ذلك من كسر سلسلة العدوى مسألة صعبة – خاصة عندما يقترن ذلك بما وصفه كانتس بالفشل في الامتثال لأوامر الحكومة المتعلقة بالحجر الصحي.

وقال كانتس: “في جميع أنحاء البلاد، وليس فقط في كفر قاسم، كان هناك عدم امتثال لقيود الحجر الصحي. أولئك الذين طُلب منهم دخول الحجر الصحي عن طريق بعض الرسائل النصية [التي تم إرسالها إلى هواتفهم المحمولة] من قبل جهاز الأمن العام (الشاباك) غالبا ما لم ينتبهوا لها على الإطلاق، وأولئك الذين انتبهوا للرسائل غالبا ما لم يقوموا بالحجر الصحي بشكل صحيح في المنزل ونقلوا العدوى لأفراد أسرهم”.

بطريقة ما، بنى كانتس وفريقه نظاما مؤقتا لتتبع مخالطي المصابين بكورونا في كفر قاسم. وفي كل يوم، عندما كانت البلدية تتلقى من وزارة الصحة بيانات حول عشرات الإصابات الجديدة، بدأ الفريق في العمل.

وقال بدير: “منذ اليوم الأول، وأحيانا من الساعة الأولى، التي علمنا فيها أنهم مصابون بالفيروس، حددنا واتصلنا بدوائرهم المباشرة، ثم أولئك الذين تفصل بينهم درجتان وثلاث درجات لإبلاغهم بأنهم كانوا على اتصال بشخص مصاب”.

أجرى فريق كانتس مئات المكالمات الهاتفية، حيث قدم التوجيه والمتابعة بشأن الحجر الصحي والفحوصات. يصف كانتس التعاون مع قيادة الجبهة الداخلية – التي قدمت المساعدة الفنية والقوى العاملة – على أنها ضرورية لنجاح المشروع.

وقال: “أجرينا تحليلاتنا الخاصة، بناء على معرفتنا بالسكان وعائلاتهم، لإنشاء قاعدة بيانات حول الأشخاص الذين ينبغي عليهم دخول الحجر الصحي. ثم اتصلنا بهم وحذرناهم من أنه ينبغي عليهم الدخول في عزلة وحثناهم على إجراء الفحوصات”.

وقد آتت الجهود المحلية ثمارها، مع إقناع السكان بشكل واضح بأن الاستجابة لنصائح القيادة المحلية هي في مصلحتهم الحيوية. حتى مساء الأحد، سجلت كفر قاسم 21 إصابة فقط لكل 10 آلاف شخص، وسجلت 19 إصابة فقط في الأيام السبعة الماضية. وهذا ليس لأن السلطات المحلية لا تجري فحوصات: معدل الفحوصات التي أظهرت نتائج إيجابية بلغ حوالي 5 في المائة، وهو معدل أفضل بكثير من المعدل العام على مستوى البلاد.

وقال كانتس: “في هذه المرحلة، تم إجراء فحوصات لنصف المدينة”.

وقد لاقت طريقة كفر قاسم في القضاء على فيروس كورونا إشادة من شخصيات من مختلف الإنتماءات السياسية. فعلى سبيل المثال، أشاد السياسي اليميني نفتالي بينيت – الذي لا يُعرف بعلاقاته الوثيقة مع المجتمع العربي في إسرائيل – بنجاح كفر قاسم في تغريدة على حسابه عبر “تويتر”.

’أعطونا الأدوات’

بعد صيف من حفلات الزفاف المميتة، دخل العديد من العرب في إسرائيل في حالة إغلاق قبل أسبوع من بقية المواطنين في إسرائيل. كانت جميع المدن الأربعين التي صنفها منسق كورونا الوطني روني غامزو بأنها ذات معدلات إصابة مرتفعة بفيروس كورونا، ووضعتها خطته تحت حظر تجول ليلي، عربية أو حريدية.

خطة “الإشارة الضوئية” التي طرحها غامزو- وسُميت بهذا الاسم لأنها تطبق أنواع مختلفة من القيود في مناطق مصنفة بالألوان الأحمر والأصفر والأخضر بالاستناد على مستويات الإصابة بفيروس كورونا فيها – الكثير من الاستنكار من قبل العديد من رؤساء السلطات المحلية الحريدية.

في رسالة بعث بها رؤساء أربع مدن حريدية بارزة – بني براك وموديعين عيليت وإلعاد وعمانوئيل – إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كُتب: “لن ننسى من قام، مرارا وتكرارا، بالتوقيع على تحويلنا إلى ناشرين للأمراض وأعداء للشعب من خلال العقاب الانتقائي لعشرات آلاف العائلات في المجتمع الحريدي”.

معظم قادة السلطات المحلية العربية – بمن فيهم بدير – بعثوا برسالة مختلفة: أعطونا الأدوات التي نحتاجها للحد من العدوى في مجتمعاتنا.

وقال رئيس بلدية أم الفحم سمير محاميد في ذلك الوقت: “الأرقام تتحدث عن نفسها. لا فرار من الإغلاق. يؤلمني قول ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة”.

رجل يمر بجانب لافتة اعلانية نشرتها وزارة الصحة الاسرائيلية باللغة العربية تطالب المواطنين بارتداء الكمامات كوسيلة للوقاية من مرض فيروس كورونا كوفيد-19 في حي في الشيخ جراح في القدس الشرقية، 8 أكتوبر، 2020. (Ahmad GHARABLI / AFP)

أعلن بدير والمجلس البلدي في كفر قاسم علنا عن مقاطعتهما لحفلات الزفاف وطلبا من سكان المدينة أن يقوموا بالمثل. وجيه سليمان، أحد رؤساء السلطات المحلية العربية، أبلغ مواطنيه أنه سيشاهد حفل زفاف نجله على تطبيق “زوم”، قائلا إنه لا يستطيع الحضور شخصيا بضمير مرتاح.

وقال سيد عبد الواحد عيسى، مدير “اللجنة الشعبية” في كفر قاسم، وهي ائتلاف من النشطاء المحليين والمنظمات غير الربحية: “الأمر كان أكثر من مجرد ’لن نذهب’، لقد كان ’نحن نقاطع هذه الأحداث’. هناك فرق. إن مقاطعة الأعراس أرسل إشارة للناس حول التأثير المدمر لهذه الأحداث”.

وبحسب عيسى، فإن اللجنة الشعبية والبلدية قامتا بالاتصال شخصيا بالسكان الذين سمعوا أنهم سيقيمون حفلات زفاف للتحدث معهم حول القيود وتحذيرهم من العواقب.

انعكست النتائج في انخفاض حاد في عدد الإصابات: مع اقتراب الإغلاق الجزئي في 6 سبتمبر، سجلت مدينة الطيرة العربية بوسط البلاد 204 إصابة لكل 10,000 شخص، وهي أعلى نسبة في البلاد. من أوائل أكتوبر، كان لديها 38 إصابة لكل 10,000 شخص.

أما بالنسبة للمدن الحريدية الأربع التي عارض رؤساؤها القيود بشدة في سبتمبر، فلقد ارتفعت أعداد الإصابات فيها بشكل كبير: 23% من اختبارات فيروس كورونا في المتوسط عادت إيجابية خلال الأسبوع الماضي في تلك المدن. وعموما، فإن نتائج الفحوصات الإيجابية في الوسط الحريدي تصل إلى حوالي ثلاثة أضعاف المعدل العام في البلاد.

الحاجة للحذر

يمكن أن يُعزى التناقض الصارخ جزئيا إلى انتهاء موسم احفلات الزواج في الوسط العربي حتى مع بدء الأعياد اليهودية. انخفض عدد الفحوصات بين عرب إسرائيل أيضا، مما يعني أن العديد من حالات الإصابة بكورونا قد تكون مختبئة في المجتمع.

مصليات مسلمات يرتدين الكمامات خلال صلاة عيد الأضحى في حديقة حيث تفرض القيود عدم تجمع أكثر من عشرة أشخاص داخل المساجد في إطار الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للمساعدة في وقف انتشار فيروس كورونا، في مدينة يافا العربية-اليهودية المختلطة ، بالقرب من تل أبيب، 31 يوليو، 2020. (AP Photo / Oded Balilty)

يقول أحمد الشيخ، مدير “جمعية الجليل”، وهي أكبر منظمة غير ربحية عربية في إسرائيل والتي تركز على توفير الرعاية الصحية في البلاد، إن “عدد الفحوصات التي يتم إجراؤها في الوسط العربي تراجع بشكل كبير. إذا كنا شهدنا في الشهر الماضي 50,000 و60,000 فحص في الأسبوع، فإننا نرى الآن أقل من نصف هذا العدد – حوالي 23,000 أسبوعيا”.

وشدد الشيخ على أنه على الرغم من التراجع الإجمالي، فإن مجموعة متناثرة من البلدات العربية في شمال البلاد – مثل قريتي مجد الكروم ودير الأسد – لا تزال تشهد تفشيا خطيرا للفيروس نسبيا.

وحذر حكيم، مدير المستشفى الإنجليزي، قائلا: “يجب أن نتوخى الحذر إلى حد ما، لأنه لا يزال من غير الواضح تماما ما إذا كان الانخفاض الذي نشهده يرجع إلى انخفاض الفحوصات أو إلى نهاية حقيقية لانتشار الفيروس”.

ولكن على الرغم من الانخفاض في عدد الفحوصات، حتى بؤر كورونا السابقة في الوسط العربي تشهد معدلا أقل بكثير من نتائج الفحوصات الإيجابية – وهو مؤشر رئيسي على ما إذا كان الفيروس ينتشر أم لا. وفقا لسيف، في ذروة الموجة الثانية، تم تأكيد إصابة حوالي 15-16% من المواطنين العرب الذين أجريت لهم فحوصات بالفيروس. وقد انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 7%، وهو معدل أفضل قليلا من المعدل الوطني.

الشرطة عند ’حاجز’ مؤقت في بلدة دير الأسد العربية شمال البلاد، 18 أبريل، 2020، عقب قرار الحكومة بإغلاق كامل للبلدة. ( Basel Awidat/Flash90)

ثمن الإغلاق

على الرغم من النجاح الواضح للإغلاق، في كفر قاسم وأماكن أخرى، دفع مواطنو إسرائيل العرب ثمنا اقتصاديا باهظا. يعمل عرب إسرائيل أكثر من غيرهم في قطاع الخدمات، والقليل من هذا القطاع يعتبر أعمالا أساسية؛ يمتلك العديد من الأشخاص الآخرين شركات صغيرة، وبالتالي يضطرون إلى تحمل تكاليف الإجازة.

خريجو المدارس الثانوية الجدد الذين دخلوا فجأة دائرة البطالة محاصرون في فراغ. يبدأ دفع مخصصات البطالة في إسرائيل في سن العشرين عندما يبدأ العديد من الإسرائيليين اليهود في ترك الجيش، وهذا يعني أن مواطني إسرائيل العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-20 عاما، والذين لا يخدم معظمهم في الجيش الإسرائيلي، غير مؤهلين للحصول على مخصصات بطالة.

في كفر قاسم – كما هو الحال في العديد من “المدن الحمراء” العربية الأخرى – دخلت المصالح التجارية التي تعتبر غير ضرورية الإغلاق قبل أسبوع من المناطق الأخرى في البلاد.

وقال عيسى: “مصالحنا التجارية كانت بالفعل تشعر بالألم قبل بقية البلاد. علاوة على ذلك، خشي الزبائن من خارج البلدة زيارتها، لأنه تم تصنيفنا على أننا ’مدن حمراء’ وكانوا قلقين بشأن فيروس كورونا، حتى قبل بدء حظر التجول الليلي”.

بالنسبة لنور صرصور، الذي يمتلك متجرا للملابس في كفر قاسم، فإن بقعة الضوء الوحيدة في الأشهر القليلة الماضية كانت شهر رمضان في شهر يوليو، عندما يشتري الكثير من المسلمين الملابس كهدايا للعيد.

وقال صرصور: “لقد رأف الله بنا خلال فترة الأعياد. لم يسافر أحد – لا خارج البلاد ولا إلى الضفة الغربية. بقي الناس في منازلهم واشتروا كل شيء من داخل المدينة. لقد عوض ذلك بعض خسائرنا”.

وقد قضى الإغلاق منذ ذلك الحين على الكثير مما تمكن صرصور من توفيره. وقال صرصور ل”تايمز أوف إسرائيل” إنه يدعم القيود لكنه قلق بشأن مستقبل عمله.

وقال متسائلا: “تم إغلاق الكثير من المصالح التجارية. أعرف أشخاصا أجبروا على التوجه إلى السوق السوداء والحصول على قروض. سيكون عليهم سداد القروض في غضون شهرين أو نحو ذلك. بماذا سيسدون هذه القروض؟”

يؤكد كل من بدير وكانتس على أن كفر قاسم على استعداد للخروج من الإغلاق ببطء والبدء في إعادة فتح الاقتصاد – حتى لو لم تكن أجزاء من البلاد مستعدة لذلك بعد.

وقال كانتس: “أنا أؤيد تماما الإغلاق التفاضلي. الحافز للمواطنين في حالة الإغلاق العام أقل بكثير. [سيكون أفضل بكثير] لو كان بإمكاني أن أقول للسكان، ’إذا اتبعتم القواعد، يمكننا فتح الاقتصاد؛ إذا اتبعتم القواعد، فستكون هناك مدارس. إذا لم تتبعوها، سنكون مدينة حمراء وسيكون كل شيء مغلقا”.