الرأس المدبب والمنقار المسطح والمنحنى الرشيق عند العنق تعود من دون شك لبطة. رأس الطائر يزين مجرفة بخور برونزية صغيرة، عمرها 2,200 عاما تم العثور عليها أثناء عمليات تنقيب هذا الصيف في موقع من الفترة الهلنستية بالقرب من بحيرة طبريا، وقد يكون مالكوها القدامى مفتاح دراسة حول كيف ومتى إستوطن اليهود في الجليل.

إكتشف فريق من الجامعة العبرية يقوده الدكتور عوزي ليبنر المجرفة وسط أنقاض خربة العيقة، وهو موقع يقع غرب بحيرة طبريا بالقرب من قرون حطين، خلال عمليات تنقيب في شهر أغسطس. يسعى ليبنر لتوضيح من كان سكان الجليل في فترة الهيكل الثاني.

تلال الجليل كانت مكتظة بالقرى اليهودية خلال أواخر فترة الهيكل الثاني وبعد ذلك. السيد المسيح ولد في بلدة الناصرة الجليلية الصغيرة منذ أكثر من 2,000 عاما. الأناجيل والنصوص التاريخية المعاصرة تصف منطقة يسكنها اليهود الذين تمردوا ضد الإمبراطورية الرومانية بشكل جماعي في عام 66 قبل الميلاد. في القرون التي تلت ذلك كانت معقلا لعلم الحاخامية والأدب والحياة اليهودية في فلسطين الرومانية.

ولكن الجليل كما يبدو لم يكن دائما بهذا الشكل. تشير دراسات جديدة إلى أن شعوب غير يهود سكنوا المنطقة عندما كانت تحت حكم الإمبراطوريتين الفارسية والإغريقية بين القرنين الخامس والثالث. فقط في نهاية الفترة الهلنستية، مع صعود سلالة الحشمونئيم التي كونها المكابيون، أصبحت تحت الحكم اليهودي.

بإستثناء روايات تاريخية لاحقة ومسوحات أثرية محدودة في المواقع على أطراف الجليل، القليل يُعرف عن المنطقة خلال الفترة الهلنستية. كيف ومتى أصبح الجليل معقلا يهوديا في أواخر فترة الهيكل الثاني كان موضوع نقاش أكاديمي لقرون.

مجرفة بخور تحمل رأس بطة تم العثور عليها في خربة العيقة في الجليل الشرقي في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Tal Rogovski)

مجرفة بخور تحمل رأس بطة تم العثور عليها في خربة العيقة في الجليل الشرقي في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Tal Rogovski)

يبدو أن خربة العيقة كانت مجتمعا لم يدم طويلا. لقد كانت مدينة محصنة تقع على قمة تلة فوق وادي الحمام الأخضر ونبع حطين. عمليات التنقيب في المكان تشير إلى أنه تم بناؤها خلال القرن الثالث قبل الميلاد وكانت هناك لأجيال قليلة. بعد ذلك، حوالي عام 140 قبل الميلاد، تم تدميرها بشكل عنيف. من غير الواضح بعد ماإذا كان ذلك نتيجة لحملة الحشمونائيم العسكرية.

خلال الفترة نقسها تقريبا دُمرت خربة العيقة، وبدأت المجتمعات اليهودية بالظهور في جميع أنحاء الجليل. عمليات التنقيب التي قام بها ليبنر في وقت سابق في خربة وادي الحمام، على بعد أميال قليلة شمال شرق الموقع في خط مستقيم، كشفت عن قرية يهودية كبيرة من الفترة الرومانية، تضمنت كنيسا كبير زينته فسيفساء رائعة.

وقال ليبنر لتايمز أوف إسرائيل، “لا يمكننا التأكيد على ذلك، ولكن يبدو أن الإشارات تشير إلى سكان وثنيين [في خربة العيقة]” مجرفة البخور ذات رأسة البطة هي دليل رئيسي. “ربما قد تكون نوعا من الأدوات الطقوسية”، كما يقول، ولكنه لا يستطع تأكيد ذلك بشكل مطلق بدون الحصول على مزيد من الأدلة.

من الواضح أن مجرفة البخور هي تصميم يوناني-روماني، ورأس البطة يظهر على مجموعة متنوعة من الأدوات من بلاد الشام القديمة. في بقايا حطام سفينة قديمة تم العثور عليها قبالة سواحل أشكلون في 1998، والتي يعود تاريخها إلى نفس فترة خربة العيقة، تم إكتشاف مغرفتين برونزيتين مزينيتن برأس بطة. إيهود غاليلي من جامعة حيفا قال في مقال له في عام 2009 حول الإكتشاف أن لهذين المغرفين قد تكون هناك أهمية “طقوسية وإحتفالية ومن أجل سد الشر”.

في أنقاض مبنى يصفه ليبنر بأنه “ذات طبيعة عامة”، عثر فريقه على مجرفة البخور إلى جانب مجموعة متنوعة من الإكتشافات المثيرة الأخرى. في مبنى قريب، مجموعة نفيسة من جرار النبيد من بحر إيجة – أواني تخزين كبيرة من السيراميك كانت تُستخدم للتجارة لمسافات طويلة. أباريق الطين كانت بمثابة حاويات الشحن المفضلة في العالم القديم.

مجرفة بخور تحمل رأس بطة تم العثور عليها في خربة العيقة في الجليل الشرقي في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Tal Rogovski)

مجرفة بخور تحمل رأس بطة تم العثور عليها في خربة العيقة في الجليل الشرقي في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Tal Rogovski)

“معظم القوارير المعروفة من إسرائيل تأتي من رودس” ومجموعة أخرى من موقع الإنتاج الرئيسية في بحر إيجة، والتي يمكن العثور عليها أيضا عبر المتوسط، كما يقول. القوارير السليمة تقريبا التي تم العثور عليها في خربة العيقة تحمل أختاما من رودس وكوس.

كيف ولماذا تم إستيراد هذه الجرار الضخمة – اتلي تزن كل واحدة منها حوالي 30 كيلوغراما أو أكثر – إلى خربة العيقة، حوالي 40 كيلومترا بعيدا عن البحر، “هو موضع نقاش كبير”، كما يقول ليبنر.

النقل البري في العالم القديم كان يكلف أكثر ب25-30 مرة من النقل البحري، ونقل بضائع على بعد 120 كيلومترا إلى الداخل كلف بقدر عبور البحر المتوسط، بحسب ما كتبته ريتشل لاودين في “المأكولات والإمبراطورية”. نتيجة لذلك، يتم العثور على الجرار المستوردة عادة في مدن ساحلية مثل عكا ودور وأشكلون أو مدن داخلية غنية أو مواقع عسكرية مثل السامرة أو القدس.

العثور عليها في قرية على تلال الجليل، من دون وجود دلائل على تواجد عسكري، هو أمر غير عادي. من قام بإستيراد هذه الجرار الإغريقية كان على الأرجح ثريا، وقطع مسافات طويلة للحصول على هذه السلع الكمالية.

ولكن هل يدل نبيذ إغريقي في جرار إغريقية على أن شعوب إغريقية عاشت في خربة العيقة؟ تحظر اليهودية الأرثوذكسية اليوم إستهلاط نبيذ من إنتاج غير يهودي، ولكن ليس من الواضح إذا كان اليهود ما قبل فترة الحشمونئيم اتبعوا التقليد نفسه. إمتناع اليهود عن شرب نبيذ أنتجه غير يهود ذُكر لأول مرة في فترة الهيكل الثاني، ولكن الباحثين “غير متأكدين تماما متى أصبح ذلك منتشرا”، كما يقول ليبنر. من غير الواضح حتى الآن إذا كانت جرار النبيذ الإغريقية التي عُثر عليها في الموقع تدل على سكان غير يهود.

بعض الجرار الإغريقية التي تم العثور عليها فؤ خربة العيقة شرقي الجليل في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Roi Sabar)

بعض الجرار الإغريقية التي تم العثور عليها فؤ خربة العيقة شرقي الجليل في 2015. (Courtesy: Uzi Leibner, The Hebrew University; Photo: Roi Sabar)

يقول ليبنر، “أنا شخصيا أعتقد أن اليهود بشكل عام تجنبوا إستخدام اهذا لنبيذ على الأقل في وقت مبكر من القرن الأول قبل الميلاد”.

“من ناحية أثرية، من الصعب جدا معرفة من كان يهوديا في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد”. علامات مميزة مثل الميكفه (حمام يهودي تقليدي) أو أدوات طقوسية لا تظهر في هذه الفترات.

في حين أن الأدلة تشير إلى مجتع غير يهودي، يقول ليبنر أنه بحاجة إلى المزيد من الأدلة لدعم هذه الفرضية. لكن دمار خربة العيقة في منتصف القرن الثاني يشير إلى هذا الإحتمال، إذا كان هناك مجتمع من السكان الغير يهود، فقد يكون قد تعرض للدمار خلال حملة الحشمونئيم العسكرية.

أغسطس 2015 كان الموسم الأول فقط من أعمال التنقيب في خربة العيقة، وهو يخطط لتنقيب ثان في شهري يونيو ويوليو 2016.

ويقول ليبنر، “نأمل هنا أن نجد في أعمال التنقيب هذه إكتشافات أخرى تعطينا صورة أكثر وضوحا”.