ليلة الأحد الإثنين، وسط وفرة المعلومات والتضليل الإعلامي ونشر المعلومات الكاذبة بشأن ما حدث وما لم يحدث قبل ساعات من ذلك عندما استهدفت صواريخ حزب الله الجيش الإسرائيلي على الحدود الشمالية، كتبت مقالة قصيرة أعربت فيها عن قلقي من التعتيم على حقيقة ما حدث في ضباب الحرب الوشيكة، وتساءلت، كما قال بعض المراسلين العسكريين بتلهف للإسرائيليين في وقت لاحق من مساء الأحد، عما إذا كنا حقا على بعد 30 دقيقة من حرب شاملة.

الآن تبين أننا كنا على بعد أمتار أو أجزاء من الثانية من حرب شاملة – ونحن نعرف ذلك ليس بفضل السلطات الإسرائيلية، ولكن بسبب لقطات الفيديو التي نشرها حزب الله للهجوم، وأقرت بها إسرائيل في مرحلة متأخر.

إليكم تلخيص الأحداث: في 24 أغسطس، استبق الجيش الإسرائيلي هجوم طائرات مسيرة مفخخة خططت إيران ومنظمة حزب الله لتنفيذه على إسرائيل من خلال استهدافها لموقع في جنوب دمشق كانت ستنطلق منه “الطائرات المسيرة القاتلة”، وأسفرت الغارة بحسب تقارير عن مقتل خمسة أشخاص، من بينهم عنصرين من حزب الله. بعد ساعات قليلة من ذلك، هاجمت طائرتان مسيرتان منشأة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت – وأصابت مقرا إعلاميا، وفقا لحزب الله؛ بحسب مصادر إسرائيلية، استهدف الهجوم معدات حساسة ومعقدة ضرورية لجهود حزب الله وإيران في تجهيز حزب الله بترسانة صواريخ دقيقة موجهة تغير قواعد اللعبة. أقرت إسرائيل بمسؤوليتها على الهجوم في سوريا، والتزمت الصمت رسميا بشأن الغارة في بيروت، واستعدت لتوعد الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بالرد.

وجاء هجوم حزب الله بعد ظهر الأحد، وأقرت إسرائيل بأن قاعدة ومركبات عسكرية استُهدفت بصواريخ موجهة مضادة للدبابات. بداية، قال المسؤولون الإسرائيليون إن سيارة عسكرية تحمل علامات واضحة تدل على أنها سيارة إسعاف أصيبت و”اخترقت”، لكنهم قالوا في وقت لاحق أن الإشارة إلى سيارة “إسعاف” كانت خاطئة، وأن المركبة لم تحمل أي علامات طبية. وظهرت لقطات أظهرت إجلاء جنديين مصابين بمروحية عسكرية إلى مستشفى “رمبام”، وأعلن حزب الله بحماس أن هجومه أسفر عن إصابة ومقتل جنود إسرائيليين.

جندي إسرائيلي ’مصاب’، خلال عملية إجلاء وهمية، في موقع أصيبت فيه مركبة عسكرية إسرائيل بصاروخ مضاد للدبابات أطلقته منظمة حزب الله على الحدود اللبنانية في 1 سبتمبر، 2019. (screen capture: Twitter)

لكن بعد ذلك قال الوزير يوآف غالانت من حزب “الليكود” لإذاعة الجيش إن الهجوم لم يسفر عن سقوط إصابات، وأعلن مستشفى رمبام أنه تم تسريح الجنديين من دون أن يحتاجا إلى علاج طبي. مصادر إسرائيلية أشارت إلى أن لقطات إجلائهما كانت جزءا من عملية تمويه لجعل حزب الله يظن أن صواريخه “نجحت” وبالتالي الامتناع عن شن المزيد من الهجمات. في المساء نفسه – بعد أن أطلق الجيش الإسرائيلي 100 قذيفة هاون على جنوب لبنان، بما في ذلك باتجاه الخلية التي أطلقت الصواريخ – عاد هدوء يشوبه التوتر إلى الحدود. في هذه المرحلة، طمأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مواطنيه أنه لم يتم خدش أي جندي.

ولكن يتضح الآن بأن تقارير المراسلين العسكريين بعد ظهر الأحد بأن الهدف الرئيسي لصواريخ حزب الله كان مركبة عسكرية طبية خالية و/أو متوقفة لم تكن صحيحة، وأن التأكيد بأن جنودا تواجدوا داخل حاملة الجنود المدرعة نفسها من طراز “وولف” حتى قبل “30 دقيقة” من تعرضها للهجوم (وفقا لإذاعة الجيش، على سبيل المثال) لم تكن دقيقة أيضا.

كما أظهرت اللقطات التي وثقت الهجوم الصاروخي وبثتها قناة “المنار” التابعة لحزب الله مساء الإثنين فإن المركبة المستهدفة بالتأكيد لم تكن خالية أو متوقفة، بل كانت تسير على طريق بين موشاف أفيفيم وكيبتوس يرؤون. وفي داخلها، بحسب مجموعة جديدة من تقارير المراسلين العسكريين الإسرائيليين في وقت متأخر من ليلة الإثنين، كان هناك خمسة جنود، الذين حالفهم الحظ بأن يكونوا اليوم على قيد الحياة.

لا يزال حزب الله مصرا على أن الصواريخ أصابت هدفها وتسببت بإصابة وقتل جنود إسرائيليين. اللقطات التي بثها تظهر أن الصواريخ كانت قريبة جدا من تحقيق ذلك. الآن، يقول الجيش الإسرائيلي إن شظية من انفجار أحد الصارخين أصابت أحد إطارات المركبة، ما اضطرها إلى التوقف على جانب الطريق. لو كان صاروخا حزب الله أكثر دقة قليلا، كما قال مصدر عسكري لأخبار القناة 12 الإسرائيلية يوم الإثنين، لما كان اشتباك يوم الأحد قد انتهى بكل تأكيد. “حقيقة أن حزب الله لم يصب ولم يقتل أي من الجنود أنقذت حزب الله من دمار برنامج صواريخه الدقيقة”، كما قال المصدر. “لقد كانت الطائرات في الجو بالفعل”.

ما يتضح إذن هو أن الجيش الإسرائيلي وبالتالي إسرائيل كانا محظوظين للغاية في تفادي خسائر في الأرواح في هجوم حزب الله الأحد – خسائر في الأرواح كانت ستغير جذريا ما حدث هنا منذ عصر الأحد.

كما يتبين أيضا أن الجهود الأولية التي بدلها القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون – عبر خليط من البيانات واللقطات المسربة واحاطات لا يُعرف مصدرها – لتصوير الحادثة بأنها ليست مجرد إخفاق لحزب الله، بل حادثة تم التفوق فيها على المنظمة المدعومة من إيران في حلقة من الحرب النفسية، لم تمثل بدقة ما حدث.

كان هناك حتماً الكثير من الالتباس في تلك الدقائق الأولى وحتى بعد ساعات من هجوم حزب الله الصاروخي. حتى الآن، الصورة الكاملة ليست واضحة تماما. الجيش الإسرائيلي نفسه يحقق الآن في ما حدث بالضبط. كانت هناك بعض التقارير غير الدقيقة والتناقضات نتيجة لسوء الفهم وسط الفوضى الأولية. لكن البعض أيضا كان نتاج معلومات مضللة تهدف إلى اظهار الجيش الإسرائيلي في صورة جيدة – واظهار حزب الله في صورة سيئة وبأنه يفتقر إلى المصداقية – في حين أن الصورة الكاملة كانت أكثر تعقيدا.

لنكن واضحين: إن أول التزام لقيادتنا العسكرية والسياسية هي حماية إسرائيل ومواطنيها والدفاع عنهم. وهذا االكاتب لا يشك لثانية واحدة في أن هذا الالتزام لا يقف نصب أعين قادة الجيش والحكومة الإسرائيليين. لكن أحد المركبات الأساسية لقدرة صمودنا الوطنية هي ثقة مواطني إسرائيل أن جيشهم وقادتهم السياسيين، في حدود مخاوفهم الأمنية الأوسع، يخبرونهم الحقيقة.

خطاب للأمين العامة لمنظمة حزب الله، حسن نصر الله، يتم بثه على شاشة عملاقة في الضواحي الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، 2 سبتمبر 2019 (AFP)​

سخرنا على مدى عقود من الزعماء العرب الذين ضللوا مواطنيهم تماما بشأن تقدم حروبهم المختلفة ضد إسرائيل، واعتبرنا وبحق التضليل الإعلامي اليائس الذي حاول أعداؤنا من خلاله التغطية على إخفاقاتهم العسكرية دليل ضعف. إن استعداد إسرائيل في المقابل على مدى العقود الإقرار بإخفاقاتها الإستراتيجية والتكتيكية ومواجهتها بشكل مباشر، وبالتالي استخلاص العبر لتجنبها في المستقبل، اعتُبر وبحق مركبا أساسيا في قوتنا.

في هذا السياق، من المثير للقلق جدا مشاهدة لقطات الفيديو التي بثها حزب الله للهجوم الصاروخي على مركبة عسكرية إسرائيلية متحركة مع ركاب بداخلها، بعد يوم واحد من تقديم المسؤولين في إسرائيل بداية، من خلال مزيج من الأشياء التي قيلت ولم يتم قولها، سردا للأحداث يهدف إلى إظهار الهجوم بصورة تجعله يبدو بأنه كان أقل تهديدا وأقل فعالية.

لا يريد الإسرائيليون الحصول على معلومات موثوقة حول ما يحدث على حدودنا الشمالية، أو في أي مكان آخر يهمنا، من حسن نصر الله أو أعدائنا الآخرين. ومرة أخرى، ضمن حدود مخاوفهم الأمنية الأوسع، نتوقع الحصول على هذه المعلومات من قادتنا.