منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مؤتمرات صحفية للصحفيين الإسرائيليين في الآونة الأخيرة، صورة براءة مجروحة وحسن النية، وقد استخدم الفرص لتوبيخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرفضه لقاءه وإجراء محادثات سلام معه، مسلطا الضوء على التعاون الأمني ​​المستمر لقواته مع إسرائيل في الأراضي المحتلة، محاولا التملص من دوره الشخصي في تعزيز التحريض ضد إسرائيل الواقعة عند جذور موجة الهجمات الفلسطينية الجارية.

عباس يكاد يبلغ (81 عاما)، وقد لا يبقى في السياسة لفترة أطول بكثير، وهناك الكثير من الإسرائيليين الذين يقولون أننا نفوت فرصة لإحراز تقدم معه، عندما يبدو واضحا أن أي خليفة بعده من المرجح أن يكون التعامل معه أكثر استحاله.

قد يكون خليفته في الواقع أسوأ من ذلك، ولكن عباس مستحيل. أكد سلفه المتبني ياسر عرفات للفلسطينيين أنه ليس لديهم أي سبب لقبول حل وسط مع اليهود، لأننا غزاة استعماريين، وجودنا الغير متجذر والمؤقت هو الذي يراه عناد وإرهاب شعبه في نهاية المطاف. اختار عباس عدم مواجهة هذا السرد، عدم الإعتراف لشعبه بتاريخ سيادة اليهود في الأرض المقدسة، ومؤخرا مكثفا الحملة الإستراتيجية للتحريف – قائلا للفلسطينيين أنه ليس هناك ما يخص اليهود في الحرم القدسي الشريف.

في الوقت نفسه، كان التسلسل الهرمي لحركة فتح التي يرأسها عباس مشجعا بشكل علني ​​للهجمات على الإسرائيليين، وجماعة حماس التي يسعى إلى الشراكة معها في الحكومة، تتآمر مرة أخرى لتنفيذ تفجيرات انتحارية وتطوير صواريخ أكثر تأثيرا، وحفر الأنفاق تحت الحدود بين غزة واسرائيل قبل حربها المقبلة المخطط لها.

دفنا مئير (من اليسار)، أم لستة أولاد (36 عاما)، قُتلت بعد تعرضها للطعن في منزلها في عتنئيل على يد فتى فلسطيني في 17 يناير، 2016. شلوميت كريغمان (23 عاما) تعرضت للطعن وأًصيبت بجروح بالغة الخطورة في هجوم في مستوطنة بيت حورون بالضفة الغربية في 25 يناير، 2016، وتوفيت متأثرة بجراحها بعد يوم من الهجوم. (Courtesy/Facebook)

دفنا مئير (من اليسار)، أم لستة أولاد (36 عاما)، قُتلت بعد تعرضها للطعن في منزلها في عتنئيل على يد فتى فلسطيني في 17 يناير، 2016. شلوميت كريغمان (23 عاما) تعرضت للطعن وأًصيبت بجروح بالغة الخطورة في هجوم في مستوطنة بيت حورون بالضفة الغربية في 25 يناير، 2016، وتوفيت متأثرة بجراحها بعد يوم من الهجوم. (Courtesy/Facebook)

قد يقوم عباس بنشر قواته للسيطرة على الإشتباكات في الضفة الغربية، لكنه يرأس شيطنة استراتيجية مستمرة على إسرائيل والإسرائيليين – عن طريق نظام تعليمه، القيادة السياسية والروحية وتعميم وسائل الإعلام الإجتماعية. إنها عملية فعالة جدا حيث، في الوقت الحاضر، عندما يتواجد شاب فلسطيني بشكل مستمر في منزله، يشعر بالإحباط، أو يريد أن يجعل لنفسه اسما، رد الفعل الإفتراضي هو حمل سكين والخروج لقتل أقرب إسرائيلي.

وهكذا دفنا الأسبوع الماضي دافنا مئير.

واليوم، ندفن شلوميت كريغمان.

دفعت إسرائيل مقابل استعداد عباس الأخير الظاهري لمحادثات السلام، في عام 2013-14، مع إطلاق سراح العشرات من الفلسطينيين الآخرين من سجوننا. قبل ذلك، في عام 2008، رفض عباس استعداد ايهود أولمرت الغير عادي لإعطاءه كل ما زعم أنه سعى اليه: خرجنا من غزة، وعرض أولمرت عليه مغادرة اسرائيل للضفة الغربية – مع تبادل متر مقابل متر للأراضي – وتقسيم القدس، بما في ذلك التخلي عن السيادة في البلدة القديمة. إن لم يكن ذلك كافيا لعباس، فمن الواضح أنه ليس هناك أي شيء كافي يمكن لنا أن نقدمه.

في حين ترفض الولايات المتحدة وجزء كبير من المجتمع الدولي استيعاب هذه الحقيقة القاتمة البسيطة، أن كل شيء فعله عرفات وعباس وحماس منذ انهيار محاولة كامب ديفيد عام 2000 بإستضافة بيل كلينتون، للتوصل الى اتفاق الذي أقنع الإسرائيليين أنهم لا يجرؤون على التخلي عن الأراضي للفلسطينيين، على الرغم من حتمية الإنفصال من أجل الحفاظ على إسرائيل يهودية ديمقراطية.

عاد عرفات من الولايات المتحدة وعزز الإنتفاضة الثانية وتفجيراتها الإنتحارية – هجمات في جميع أنحاء إسرائيل التي أظهرت بشكل قاتل أن الفلسطينيين لا يسعون فقط لأراضي المستوطنات المحتلة. انها ليست مجرد المستوطنات، بل هم يرفضون كل إسرائيل ووجودها.

في السنوات التي تلت انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، تم تكثيف إطلاق الصواريخ، أعطى الفلسطينيين حماس أغلبية برلمانية في الإنتخابات، وطردت حماس قوات عباس من القطاع خلال ساعات – مؤكدة للإسرائيليين مخاطر مغادرة الأراضي المجاورة، وسهولة استيلاء القوى الإسلامية على السلطة في أي فراغ. الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس، في عام 2014، لم يقم الا بإعادة التأكيد على المخاطر: إذا تمكن صاروخ واحد اطلقته حماس من تخطي دفاع القبة الحديدية وهبط على بعد ميل من مطار بن غوريون, والذي أوقف ثلثي شركات الطيران الأجنبية من الطيران الى إسرائيل، بما في ذلك جميع شركات الطيران الأمريكية، فكيف يمكن لإسرائيل التساهل مع فكرة مغادرة الضفة الغربية؟ ستقوم حماس بادارة العرض خلال أيام، وسيتم شل وعزل بلدنا بأكمله.

السخرية في الأمر، طبعا، هي أنه إذا كان الفلسطينيون قادرين على إخفاء كراهيتهم لفترة قصيرة بعد أن تركنا غزة، إن تمكنوا من التظاهر حتى لفترة وجيزة ان قلوبهم تطمح الى التعايش السلمي، ربما كنا قد انسحبنا من جانب واحد من معظم الضفة الغربية كذلك.

بدلا من ذلك، لقد أقنعت أقوال وأفعال الفلسطينيين الإسرائيليين – أولئك الذين لا يريدون حكم الفلسطينيين، لا يريدون توسيع المستوطنات في المناطق التي لا نبغي الاحتفاظ بها في ظل اي اتفاق دائم، الذين لا يريدون أن يعيشوا بامرة السيف إلى الأبد – أنه لا توجد هناك أي شراكة والتي ممكن ان تنجح في الوقت الحاضر. حتر انهم نجحوا في احباط تفاؤل قائد المعارضة الاسرائيلية, يتسحاك هرتزوغ, الذي اختتم بشكل مؤسف الاسبوع الماضي ان حل الدولتين هو ببساطة غير واقعي: انه “يتوق” اليه، قال هرتسوغ في مقابلة على الراديو. لكنه “غير ممكن” في الوقت الراهن.

نهج قاعدة شعبية
إذا، فكيف يمكن الخروج من هذا الواقع الجديد الفظيع – غسيل دماغ للمزيد من الأجيال الفلسطينية بشكل استراتيجي على الكراهية، وإسرائيل النازفة غير قادرة على دفع مصلحتها لفصل آمن لضمان الحفاظ على ديمقراطيتنا اليهودية؟

من البديهي أنه لن يكون هناك اتفاق مع محمود عباس. لكن هناك شيئا واحدا قاله عباس في مؤتمراته الصحفية الأخيرة والذي يستحق ذكره. خلقت جهود السلام السابقة آلية مشتركة تهدف إلى مكافحة التحريض على كلا الجانبين، وأعلن عباس انه نفسه على استعداد لإحياء هذه الآلية. على إسرائيل التعامل معه وفق ذلك على الفور.

ركز نتنياهو على التحريض بإعتباره السبب الجذري لموجة الهجمات الحالية. نملك جميعنا مصلحة في استخدام أي وكل أداة من شأنها أن تساعد في تخفيف بعض العداء.

كانت سياسة رديئة من قبل هرتسوغ للتنازل علنا الآن عن حل الدولتين. إن لم يكن السلام في الأفق، في النهاية، لماذا للإسرائيليين انتخاب زعيم الذي يعترف الآن بأن استراتيجيته السابقة كلها كانت خاطئة؟ ولكن استنتاج هرتسوغ المحزن والواقعي يؤكد على أنه لا يمكن أن تكون هناك حلول سريعة.

ما نحتاجه هو ما كان دائما لازما من أجل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهو نهج قاعدة شعبية لصنع السلام. نهج يركز على التعليم. نهج سيتم بموجبه استخدام الموارد الدولية والنفوذ لإعادة كتابة المناهج التعليمية، لتهميش القادة السياسيين والروحيين المتطرفين، ولتعزيز الإعتدال والتفاعل السلمي.

استراتيجية عرفات وعباس وحماس لإسرائيل تحقق العكس تماما من ما يدعي الفلسطينيين ان يسعوا اليه – دولة مستقلة. والآن، تمكنت حتى من اقناع المعارضة في اليسار المركزي، صناع السلام في حزب (العمل)، أن استعداد اسرائيل لتقديم تنازلات غير كاف.

لعل المجتمع الدولي – المصر بشكل كبير على قيادة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في السعي إلى إقناع الإسرائيليين بأنهم يستطيعون تحمل المخاطر من أجل السلام عندما تظهر جميع الأدلة الدموية من حولهم عكس ذلك – أن يتعلم درس هرتسوغ.

ربما سينتقلون إلى اعتماد نهج القاعدة الشعبية.

ربما سيستخدموا نفوذها هائلة للمساعدة تدريجيا في خلق مناخ لا يكون فيه الشيء الأكثر طبيعية في العالم للفلسطينيين المراهقين حمل السكاكين وقتل الإسرائيليين.