واجه رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو إنتقادات حادة من آباء وأمهات ثكالى الأربعاء حول إدارته لحرب غزة في عام 2014 في جلسة مشحونة استمرت لثلاث ساعات ونصف.

في وقت سابق، في رد على أسئلة وجهها إليه نواب من المعارضة في لجنة الكنيست لرقابة الدولة – التي شهدت مقاطعات من نواب من الليكود مؤيدين لرئيس الوزراء – صور نتنياهو الصراع على أنه نصر لإسرائيل، مؤكدا على أن حركة حماس “توسلت” لإنهاء الحرب.

ليئا غولدين، والدة الجندي هدار غولدين الذي تحتجز حماس جثته وجثة الجندي الآخر أورون شاؤول، قالت ومشاعر التأثر واضحة عليها، إن “عملية الجرف الصامد لم تنتهي. حماس أرادت إختطاف جنود وهي لا تزال تحتجز اثنين منهم”. واتهمت غولدين نتنياهو بتحويل عائلتي الجنديين إلى “عدو للشعب”، مصورا رغبتهما في إستعادة رفاة ابنيهما على أنها تتعارض مع الإحتياجات الأمنية للدولة.

إيلان ساغي، الذي فقد ابنه إيريز في هجوم عبر الحدود شنه مسلحون عبر أحد أنفاق حماس، قال إنه عند صدور تقرير مراقب الدولة حول الحرب، والذي اتهم الحكومة بإخفاقات عدة، كان الأمر “أشبه بشخص يخرج سكينا ويقوم بطعني في القلب”، وأضاف إنه خلال جلسة يوم الأربعاء استمر نتنياهو ب”تدوير السكين”.

عند انتهاء ساغي من حديثه، هبط الصمت على الغرفة بينما غص بقية الأهالي بالبكاء، بعد دقائق قليلة فقط من الصراخ الذي سُمع خلال النقاش بين أعضاء الكنيست.

نتنياهو أقر بأنه “لا يعرف كيف يكون شعور الأب الثاكل”، وأضاف إنه لم يكن مستعدا لتقديم إجابة كاملة على السؤال حول ما الذي يتم فعله لإعادة رفات غولدين وشاؤول، لكن إسرائيل تعمل على حل هذه القضية.

الجلسة ناقشت تقرير مراقب الدولة اللاذع الذي نُشر في شهر فبراير، وخلُص إلى وجود إخفاقات خطيرة من قبل الجيش والحكومة قبيل وخلال الصراع الذي استمر ل50 يوما، ويُعرف في إسرائيل بإسم عملية “الجرف الصامد”.

العميد (احتياط) يوسف بينهورن، الذي كان جزءا من الفريق الذي كتب التقرير، أشار إلى أن ممارسات صنع قرار أفضل كان من الممكن أن تساعد في تفادي الحاجة إلى عملية عسكرية تماما.

ردا على الإنتقادات، قال نتنياهو: “لم نكن نريد حربا في صيف 2014 وحاولنا منع ذلك”.

وأضاف “كنت أود تجنب حملة برية. أردت ذلك”، مشيرا إلى الثمن الذي دفعته إسرائيل بأرواح جنودها. وأكد أيضا على أن حكومته قامت بالفعل بتصحيح العديد من أوجه القصور المشار إليها في التقرير.

خلال المعارك في غزة قُتل 68 جنديا إسرائيليا، إلى جانب 6 مدنيين في إسرائيل. في غزة قُتل أكثر من 2,000 فلسطيني في الصراع، تقول إسرائيل إن معظمهم من المقاتلين.

وقال نتنياهو إنه تحدث مع الرئيس الأمريكي حينذاك باراك أوباما، الذي أعرب عن معارضته لحملة برية إسرائيلية. “قلت له إنه إذا استمر تهديد الأنفاق، سنكون مضطرين للدخول”، كما قال.

واعتبر رئيس الوزراء أن الحرب كانت حتمية، مشيرا إلى أن مقتل الفتية الإسرائيليين الثلاثة في الضفة الغربية كان أحد الأسباب التي أثارت الصراع. بعد أن قامت إسرائيل بإعتقال عدد كبير من نشطاء حماس خلال عمليات البحث عن الفتية، قامت الحركة بصياغة خطة لمهاجمة إسرائيل من الجو، من خلال إستخدام هجمات صاوروخية وطائرات شراعية معلقة؛ ومن البحر، من خلال رجال الضفادع؛ ومن اليابسة، من خلال شبكة الأنفاق العابرة للحدود الخاصة بها، كما قال نتنياهو، الذي أضاف أن الجيش قام بإحباط هذه الخطط الهجومية.

وقال إن “التصعيد هو أمر صعب. الشيء الوحيد الأصعب منه هو الخروج منه”.

نتنياهو أكد أيضا على أن الحملة – التي اعتبرها بأنها خطة عسكرية متعددة الجوانب وضعتها حماس بهدف وضع حد للحصار البحري على قطاع غزة – لم تنتهي بمفاوضات إطلاق النار التي توسطتها مصر.

على السؤال كيف تمكنت إسرائيل من التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع حماس إذا لم تكن هناك مفاوضات مع الحركة، قال نتنياهو إن “الجناح العسكري [لحركة حماس] توسل – لا توجد كلمة أخرى لوصف ذلك – توسل للجناح السياسي، الذي يقيم في الخارج: أرجوكم، لا يمكننا الإستمرار في ذلك”.

وأضاف “لم يكن هنا اتفاق. ما كان هناك هو أنهم رفعوا أيايدهم – بكل بساطة”.

ورفض رئيس الوزراء مرارا وتكرارا أيضا فكرة أن إسرائيل توصلت إلى تسوية دبلوماسية مع حماس.

وقال إن “مجرد التفكير في بديل سياسي مع حماس هو أمر سخيف بالنسبة إلي”، مشبها ذلك بعقد صفقة مع تنظيم داعش في الرقة والموصل.

المجلس الوزاري الأمني

التقرير الذي ناقشته اللجنة الأربعاء ركّز على إدارة المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) من قبل نتنياهو ووزير دفاعه في ذلك الحين موشيه يعالون، وبالأخص الفشل المزعوم للكابينت في وضع أهداف ملموسة وإستراتيجية للجيش في الحملة العسكرية. التقرير أشار أيضا إلى الفجوات الإستخباراتية والأخطاء التكتيكية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، الذي قاده حينذاك الجنرال (احتياط) بيني غانتس، وبالأخص عدم جاهزيته لأنفاق حماس.

وعلق رئيس الوزراء على التوصيات في التقرير، التي دعت إلى تغييرات في مبنى الكابينت الأمني، بالقول “لا توجد هناك طريقة ميكانيكية ومنهجية وديكارتية لتغيير الطريقة التي تم فيها اتخاذ القرارات”. وفي الوقت الذي أقر فيه بضرورة إطلاع الوزاراء على التطورات كاملة، أعرب رئيس الوزراء عن معارضته لتكريس التغييرات الإجرائية في الكابينت في قانون، الذي سيجعل كما قال عملية اتخاذ القرارات مستحيلة.

وكانت هذه الجلسة الثالثة والأخيرة للجنة مراقبة الدولة، وحضر فيها ممثلون عن كل الأحزاب السياسية تقريبا، وبرز في غيابه عنها رئيس حزب “البيت اليهودي” ووزير التعليم نفتالي بينيت، الذي كان من بين أبرز المنتقدين لنتنياهو ويعالون خلال الحرب.

عضو الكنيست كارين إلهرار، رئيسة اللجنة، قالت في تصريحات لها إن “النقاش ليس حول ما إذا كان رئيس الوزراء عظيما أم لا، بل هو حول ما إذا كان تم تصحيح إخفاقات الجرف الصامد”.

مراقب الدولة يوسف شابيرا أكد على الحاجة إلى استيعاب الإنتقادات التي وردت في التقرير ومعالجة المشاكل.

نتنياهو قال إنه يتفق على ضرورة إجراء محادثة مثمرة حول الصراع، لكن الجلسة المفتوحة ليست بالمنتدى المناسب.

وقال نتنياهو، مشيرا إلى الصحافيين في آخر الغرفة “ادعوني إلى مناقشة إيجابية، وليس أمام الكاميرات”، مضيفا “بإمكاننا أن نتحدث عن ما حدث خلال الجرف الصامد وبعد ذلك”.

’الفترة الأكثر هدوءا منذ حرب الأيام الستة’

إن إرث حرب عام 2014 هو إرث متنازع عليه، حيث أنه في حين أن البعض يرى بعملية “الجرف الصامد” بأنها انتصار باهر نتج عنه بعض السنوات الأكثر هدوءا لإسرائيل على حدودها مع غزة، يعتبرها آخرون فشلا كاملا، حيث أنها لم تحقق أيا من أهدافها المعلنة.

وقال نتنياهو “مضى ثلاث سنوات تقريبا منذ الجرف الصامد. نحن في خضم الفترة الأكثر هدوءا، كما قال رئيس هيئة الأركان الجنرال غادي آيزكوت مؤخرا، منذ حرب الأيام الستة”.

بالإضافة إلى الأنفاق، قام الجيش الإسرائيلي بتدمير بنى تحتية عسكرية وقتل نحو 1,000 من مقاتلي حماس، من ضمنهم “ثلث عناصرها العسكرية”.

وأشار إلى أن الصواريخ التي تم إطلاقها من غزة إلى داخل إسرائيل في الأشهر الأخيرة لم تطلقها حماس، ولكن تنظيمات سلفية صغيرة، مضيفا أنه تم “ردع” حماس.

بحسب نتنياهو، في الفترة التي سبقت الصراع، تقييمات الإستخبارات العسكرية أشارت إلى ان حماس تخطط لهجوم متعدد الجوانب ضد إسرائيل من أجل “إزالة الحصار البحري”.

وهذا فشل بالطبع، حيث أن حماس تتواجد حاليا في حالة “محنة إستراتيجية”، بحسب نتنياهو.

المشاحنة بين أب ثاكل وعضو كنيست

خلال النقاش، دخل أعضاء في الإئتلاف الحكومي في نقاشات عنيفة ومتكررة مع سياسيين من المعارضة، وفي بعض الأحيان مع ساغي، الأب الثاكل.

رئيسة اللجنة إلهرار سألت نتنياهو حول السبب الذي يمنع إجراء النقاشات حول الحرب ب”الصورة المناسبة”، وعنت بذلك مدخلات الكابينت. قبل أن يتمكن رئيس الوزراء من الإجابة، قاطع النائبان من “الليكود” ميكي زوهر ودافيد بيتان النقاش وصرخا احتجاجا حول التسريبات من جلسات الكابينت.

بينما رد نواب من المعارضة صارخين احتجاجا على ما وصفوه ب”جوقة الليكود”، طلب ساغي من بيتان وزوهر إظهار إحترام أكبر والتوقف عن “التذمر”.

وقال الأب الثاكل، الذي كان ابنه من بين عدد من الجنود الذين قُتلوا في كمين نفذه مسلحون تسللوا عبر نفق عابر للحدود إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، “أين كنتم خلال الحرب؟ ابني تحت الأرض، وهم يتصرفون كأبطال”.

عضو الكنيست عوفر شيلح (يش عتيد) ناقش نتنياهو وسكرتيره العسكري بحدة حول تفاصيل جاهزية الجيش بشأن تهديد الأنفاق.

شيلح أصر على أنه لم تكن للجيش خطة واضحة للتعامل مع الأنفاق، في حين أكد نتنياهو وسكرتيره العسكري العميد إليعزر توليدانوا على أنه على الرغم من عدم وجود “ورقة” كُتبت عليها الأوامر، لكن الجيش عرف عمليا كيفية التعامل مع الأنفاق.

وقال نتنياهو “لقد كانت هناك حوادث قليلة فقط نجح فيها مسلحون من حماس بالدخول إلى إسرائيل عبر الأنفاق، والتي كلفتنا 8 – لا، 11 جنديا”، مشيرا إلى عدم سقوط ضحايا بين المدنيين جراء تهديد الأنفاق خلال الحرب.

بالنظر إلى المستقبل، قال نتنياهو للجنة إنه لا يوجد الكثير من الأمل لقطاع غزة وكذلك لا يجود أي احتمال لإجراء مفاوضات مباشرة مع حماس على “بدائل سياسية” للحرب.

وقال رئيس الوزراء إنه من دون وجود حل دبلوماسي، فإن البديل الوحيد في المستقبل سيكون حربا أخرى، التي أشار إلى أنها ستكون مشابهة ولكن أكثر قوة من الحروب الثلاثة الأخيرة في القطاع.

وقال نتنياهو “قدرتنا على إلحاق الضرر في غزة ازدادت. لن أخوض في التفاصيل”.

وتطرق رئيس الوزراء أيضا إلى الجدار الجديد الذي يتم بناؤه على الحدود مع غزة لحماية إسرائيل من الأنفاق الهجومية.

وقال “آمل أن يتم عقد جلسة للجنة رقابة الدولة يوما ما لمناقشة سبب إستثمارنا الكثير من الموارد في ذلك”.

وأضاف نتنياهو إن المشكلة في الحرب مع غزة هي أن كل ما بإمكان إسرائيل فعله هو إستعادة قوة الردع ضد حماس.

هناك خياران في غزة، إما إستعادة قوة الردع أو احتلال القطاع.

وقال “إذا قمنا بالإحتلال، علينا أن نعرف لمن سنسلمها”.

الصمت ساد في الغرفة عندما تحدثت ميخال كيدار، التي قُتل زوجها المقدم دوليف كيدار خلال حرب 2014.

وقالت إن “وظيفة الحكومة – وكل عضو كنيست – هو منع الحرب المقبلة”.

موجهة حديثها لنتنياهو، أضافت كيدار “توقف عن تحميل الجميع مسؤولية إخفاقاتك”.

منهمرة بالبكاء، انتقدت كيدار جلسة اللجنة واصفة إياها ب”مسرحية كبيرة أمام الكاميرات” يلعب فيها كل سياسي دورا بدلا من مناقشة كيفية إصلاح إخفاقات الحكومة والجيش بصورة جدية.

وقالت كيدار “تقول إن هذه الحرب كانت حربا من دون خيارات. هناك دائما خيار”.

في نهاية الجلسة، شكر نتنياهو إلهرار، رئيسة اللجنة، وقال إنه طلب السماح للعائلات بالحديث خلال الجلسة. لكن بيتان سارع إلى إصدار بيان بعد الجلسة اتهم فيه المعارضة بأظهارها عدم احترام من خلال إستغلالها للجلسة لأهداف سياسية.

ساهم في هذا التقرير راؤول ووتليف.