قرر بنيامين فيليب مساعدة إسرائيل والموساد في محاربة “حزب الله” في عام 2011، وجمع المعلومات الاستخبارية حول أنشطة المنظمة اللبنانية وتجنيد عناصر إضافيين من داخل المنظمة، بما في ذلك، كما يقول ، عضو في إحدى أبرز وحدات النخبة في المنظمة. الآن يقول إن عمله دمر حياته وحياة أفراد عائلته في لبنان.

بعد اكتشاف أنه عميل للموساد وسجنه في سجن تابع لحزب الله لمدة عامين، فر فيليب من مسقط رأسه لبنان في عام 2015، وانتهى به المطاف في شرق آسيا، حيث عاش لمدة عامين تقريبا حتى أجبر على الفرار في أواخر العام الماضي عندما واجه تهديدا بترحيله. الآن يطلب اللجوء في أوروبا، ويقول إن إسرائيل – الدولة التي ساعدها في قتالها ضد المنظمة المسلحة المدعومة من إيران منذ 2011 – ترفض استقباله أو حتى الرد على مكالماته ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة به.

ولقد رفض مكتب رئيس الوزراء، المسؤول عن الموساد، التعليق على القضية.

يقول فيليب إنه اتصل بموقع “تايمز أوف إسرائيل” بدافع من الشعور باليأس، أملا منه – كجهد أخير – في أن يساعده نشر قصته على الملأ في الضغط على إسرائيل والموساد لمساعدته كما وعدا، حسبما يقول.

بنيامين فيليب ليس اسمه الحقيقي؛ إنه اسم مستعار. يُحظر على تايمز أوف إسرائيل قانونا نشر هويته الحقيقية أو أي تفاصيل تعرّف عنه، على الرغم من مطالبة فيليب صراحة بنشر اسمه لاعتقاده أن ذلك سيساعده في مساعيه للحصول على اللجوء، وعلى الرغم من أن حزب الله والحكومة اللبنانية يعرفان هويته بالفعل ، بعد سجنه وتوجيه التهم إليه تباعا.

لقد حاول فيليب الاتصال بكل مسؤول إسرائيلي ممكن، وأرسل عبر البريد الإلكتروني رسائل لجميع عناوين البريد الإلكتروني العامة لمكتب رئيس الوزراء والموساد والجيش ووزارة الخارجية وأي مكتب حكومي آخر تقريبا. في ديسمبر، تلقى ردا من مندوب شكاوى الجمهور في إسرائيل جاء فيه: “لقد وجهنا انتباه قوى الأمن إلى شكواك”.

قال مسؤول دفاع إسرائيلي سابق، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إنه ليس على دراية بقضية فيليب، لكنه أوضح أن هناك عدة أسباب لقيام الموساد بقطع العلاقات مع أحد عملائه، بما في ذلك أسئلة حول مصداقيته أو مخاوف أمنية أو ما إذا كان لا يزال ذي قيمة للمنظمة، بغض النظر عن مساهماته في الماضي.

وقال المسؤول السابق: “إن هذا العالم هو عالم بارد”.

يؤكد فيليب أنه في الوقت الذي يشعر فيه بالإحباط وخيبة الأمل بسبب تصرفات مشغليه في الموساد والحكومة الإسرائيلية، فإنه لا يشعر بأي سوء نية تجاه دولة إسرائيل.

وقال: “إن شكاوي ضد الموساد هي مثل عاشق يلوم الحبيب. هذا ليس بلوم مع كراهية… أنا لا أتحدث لأفعل شيئا ضد إسرائيل. أقوم بذلك لتصحيح كيفية تعامل الحكومة مع هذه الأمور. لماذا ينبغي أن تكون مثل ال’كي جي بي’؟ تنتهي من شخص ما وترميه”.

ويقول فيليب، الذي يُعتبر رسميا خائنا وجاسوسا لإسرائيل، إنه سيواجه على الأرجح عقوبة السجن لعشرات السنين إذا تم ترحيله إلى لبنان – وهو سيناريو لا يمكن أن يقبله بصفته رجلا مثليا، مع العلم أن مثل هذه العقوبة في سجن لبناني تعني الاغتصاب والتعذيب.

الآن هو يسعى للحصول على اللجوء في أوروبا، حيث جمع ما يكفي من المال للحصول على تذكرة طائرة من شرق آسيا عن طريق بيع بعض أجهزته الإلكترونية. يتلقى مساعدة من منظمة مجتمع ميم محلية، بما في ذلك علاج الصدمات النفسية والإساءة التي تعرض لها طوال حياته ، ويعتقد أنه لديه فرصة جيدة للحصول على اللجوء. ومع ذلك، إذا فشل في مساعيه وتبين له أنه سيعاد إلى لبنان، يقول فيليب إنه يفكر جديا في الانتحار.

وقال في مكالمة هاتفية في أواخر العام الماضي: “بالطبع لن أذهب إلى لبنان. لقد طلبت بالفعل غاز أحادي أكسيد الكربون. لقد بحثت عن أقل الطرق إيلاما للانتحار. أمضيت بالفعل عامين في السجن. أنا أعرف هذا الإذلال. لا يمكنني تصور ما سيحدث إذا عدت إلى لبنان”.

Avi Katz

اول مرة اتصل فيليب بتايمز أوف إسرائيل كانت في أغسطس 2019، بعد أن قال إن الموساد قطع الاتصال به وتوقف عن تزويده بنفقات المعيشة. (بموجب تأشيرة دخول البلاد التي كان يعيش فيها في شرق آسيا، والتي يقول إن إسرائيل دفعت ثمنها، لم يتمكن من العمل بشكل قانوني، مما اضطره إلى الاعتماد أكثر على إسرائيل.) في سبتمبر، سافرت إلى خارج البلاد لمقابلة فيليب، وتحدثت معه شخصيا ثلاث مرات، بالإضافة إلى العديد من المحادثات عبر الإنترنت، باستخدام التطبيقات المشفرة. يحظر القانون أيضا نشر موقع هذه الاجتماعات.

في ساعات المقابلات والمحادثات مع فيليب، كان هادئا ومتماسكا وصريحا. ذكرياته كانت متسقة، لكن لا يبدو أنه تدرب عليها. قدم العديد من لقطات الشاشة لرسائل بريد إلكتروني ومحادثات ’واتس آب’ التي قال إنها كانت مع ممثلي الموساد الذين كان على اتصال معهم. لم يتمكن تايمز أوف إسرائيل من التحقق بشكل مستقل من أن هؤلاء كانوا بالفعل عملاء إسرائيليين، ولكنه تمكن من تأكيد أجزاء معينة من قصة فيليب. يحظر أيضا نشر بعض الأدلة التي قدمها فيليب والتي كانت تستخدم للتحقق من صحة أجزاء من قصته.

’مثل الكلاب الضالة’

يأمل فيليب في أن تتدخل إسرائيل نيابة عنه وأن تنقذه من الترحيل، لكن يتزايد الشك في داخله بشأن حدوث ذلك.

وتساءل قائلا: “ألا تستطيع إسرائيل، الدولة القادرة على إرسال طائرة مسيرة إلى الضاحية، إنقاذي”، في إشارة إلى هجوم طائرة مسيرة على هدف تابع لحزب الله داخل بيروت وقع في أغسطس وتم نسبه إلى إسرائيل.

وقال فيليب عن الموساد والحكومة الإسرائيلية “إنهم يعاملوننا مثل الكلاب الضالة”.

تتعرض والدة فيليب في لبنان للمضايقات من حزب الله، حيث اقتحم أفراد المنظمة منزلها وقاموا بتدميره في ديسمبر؛ ولقد تم طرد والده فعليا من مجتمعه الديني، كما يقول.

فيليب ليس أول عميل لبناني للموساد يتهم المنظمة بالتخلي عنه. في عام 2014، تحدث أمين الحاج، واسمه الرمزي رومنيغه، وهو عميل قديم لإسرائيل قام بجمع معلومات استخباراتية في غاية الأهمية بشأن الفصائل الفلسطينية في لبنان بدءا من الثمانينات، عن تفاعلاته المخيبة للآمال مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث انتهى به الأمر عالقا في إسرائيل مع تصريح إقامة مؤقت منتهي الصلاحية ومن دون رعاية صحية ولا وظيفة.

قال الحاج لمراسل شؤون المخابرات في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رونين برغمان: “من الصعب علي أن أفهم لماذا تتم معاملتي بهذه الطريقة؛ لماذا، بعد كل ما قمت به وكل ما قدمته وكل أولئك الذين ألقي القبض عليهم بفضلي، فإنهم يرمونني جانبا مثل قطعة قماش بالية”.

لكن الحاج نجح على الأقل بالخروج من لبنان والوصول إلى إسرائيل.

وفقا لفيليب، فإن أحد الأشخاص الذين ساعد الموساد في تجنيدهم كعميل كان عضوا سابقا في “وحدة” رضوان التابعة لحزب الله، مما سمح لجهاز المخابرات بجمع معلومات مهمة عن المنظمة الشيعية المدعومة من إيران. وافق العضو السابق في حزب الله على إدراج قصته هنا، لكنه طلب عدم نشر اسمه، وطلب بدلا من ذلك أن يشار إليها باسم مستعار “غابريئل”.

طفل في زي عسكري يلوح بعلم ’حزب الله’ خلال انتظار مناصري الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، لخطابه المتلفز في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، 5 يناير، 2020 في أعقاب غارة جوية في العراق أسفرت عن مقتل الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. (AP Photo/Maya Alleruzzo)

في وقت سابق من هذا العام، سُجن غابريئل أيضا لمدة شهرين تقريبا على يد حزب الله بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. تم إطلاق سراحه في أغسطس، بعد أن أقنعت أسرته المنظمة بأنه يعاني من مرض نفسي – وبالفعل تم تشخيصه بأنه يعاني من مرض اضطرب ثنائي القطب – كما يقول فيليب. عند إطلاق سراحه، وُضع غابريئل تحت الإقامة الجبرية.

في أواخر سبتمبر، أبلغ مسؤولو حزب الله غابريئل أنه سيتم نفيه من لبنان وإجباره على البقاء خارج البلاد لمدة خمس سنوات على الأقل. في نهاية أكتوبر، فر من البلاد ليكون مع فيليب، وهو يخطط لطلب اللجوء في مكان آخر.

للحفاظ على قيمته، يقيم فيليب الآن اتصالات مع عناصر آخرين في حزب الله وأقاربهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي – دون أن يعرفوا أنه عميل إسرائيلي – من أجل جمع معلومات استخبارية عن المنظمة. في العديد من الحالات، يقوم بالاتصال بأعضاء حزب الله المثليين من خلال “تيندر” و “غيرندر” وتطبيقات الهواتف الذكية الأخرى ذات العلاقة. يقول فيليب إنه على الرغم من كونه منظمة إسلامية شيعية متشددة، إلا أن حزب الله لديه عدد “مفاجئ” من الأعضاء المثليين.

يعترف فيليب بأنه لم يكن “الشخص المثالي” في تفاعلاته مع إسرائيل، حيث كذب في البداية على الموساد حول جوانب من ماضيه وهدد أيضا بالكشف عن هويات العملاء من أجل الضغط على المنظمة لتزويده بالموارد التي يقول أنه وعده بها. أوضح تايمز أوف إسرائيل لفيليب أنه لن يكون شريكا في الكشف عن هويات العملاء لأن ذلك من شأنه أن يعرض الأرواح والأمن القومي الإسرائيلي للخطر ولا يشكل أي فائدة ملموسة للجمهور.

وقال فيليب: “كنت أحاول فقط إثارة رد”، مضيفا: “لن أخونهم أبدا. يمكنني أن أذهب إلى الإيرانيين أو حزب الله وأن أبرم صفقة معهم، لكنني لن أفعل ذلك أبدا. إن ذلك يتعارض مع مبادئي. أنا أكره حزب الله وإيران – أتمنى أن أرى نهايتهما”.

يؤكد فيليب أن مستوى المساعدة الذي قدمه هو وغابريئل لإسرائيل يستحق أكثر بكثير مما قدمه الموساد لهما، وهو يعبر بشكل روتيني عن الإحباط والغضب وخيبة الأمل العميقة إزاء وضعه ومن المسؤولين الإسرائيليين المسؤولين عنه، لكنه يتحدث عن الدولة اليهودية بإعجاب.

وقال: “أعرف أن حياتي لا تهمهم، وأعرف أن مستقبلي لا يهمهم. أعرف أنهم يعتبرونني مجرد عربي غبي. ولكن مع ذلك لا يزال لدي علم إسرائيلي في منزلي”، مضيفا: “أنا أحب إسرائيل. أنا أحب الدولة، هذا مبدأ. لقد شعرت أن هويتي أقرب إلى إسرائيل منها إلى لبنان”.

طفولة بائسة

لا يبدو فيليب من نوع الأشخاص الذين يكرسون حياتهم من أجل محاربة منظمة إرهابية دولية، فهو قصير القامة ونحيف، صاحب عينين زرقاوين-خضراوين لامعتين، ولحية منحوتة بدقة وأقراط متدلية. في جميع اتصالاتنا، كان يرتدي ملابس سوداء ضيقة ، نظارات ملونة ، مجوهرات فضية وأحذية رياضية سوداء. يبدو أشبه بمصمم غرافيك رئيسي لشركة ناشئة وليس جاسوسا كثير الأسفار.

يتحدث الإنجليزية والعربية والفرنسية بطلاقة ويروي عن مناقشاته مع إسرائيل بكلمات وعبارات باللغة العبرية. أيام الجمعة يتمنى لي “شبات شالوم”، ويشتم بحرية، لكنه يعتذر دائما عن ذلك. يفخر بنفسه لقدرته على قراءة الناس والتعامل معهم، مما دفعني بشكل روتيني إلى التشكيك في دوافعه، ربما بشكل غير منصف. عندما قاطع إحدى المقابلات التي أجريناها لإعطاء المال لرجل بلا مأوى خارج المقهى الذي التقينا به، هل كانت ذلك بدافع حب الغير أم في محاولة لإثارة إعجابي؟ لن أتمكن من معرفة ذلك أبدا، ولست واثقا أن الأمر يعني الرجل المتشرد.

ولد فيليب لوالدين لبنانيين في مكان آخر من الشرق الأوسط. عادت العائلة في وقت لاحق إلى لبنان حيث تعيش في منطقة النبطية، وهي مدينة يُعرف عنها بأنها معقل لحزب الله.

بلدة النبطية بجنوب لبنان، في صورة غير مؤرخة. (CC BY 3.0 / ansam61@hotmail.com, WikiMedia)

تم تأسيس منظمة حزب الله في عام 1985 ردا على احتلال إسرائيل حينذاك لجنوب لبنان، والذي بدأ قبل ثلاث سنوات من ذلك في أعقاب حرب لبنان الأولى. في السنوات الـ 35 التي تلت ذلك، تحولت المجموعة المدعومة من إيران إلى ميليشيا ضخمة تضم الآلاف من المقاتلين وترسانة تضم حوالي 120,000 صاروخ بأحجام مختلفة. قاتلت إسرائيل حزب الله في حرب لبنان الثانية عام 2006، وتُعتبر المنظمة حاليا العدو العسكري الأساسي للدولة اليهودية في المنطقة.

ويتذكر فيليب “طفولة بائسة في قرية جميلة حقا” في جنوب لبنان. عندما كان طفلا، انضم إلى كشافة شبيبة حزب الله، وخلال تلك الفترة تطورت كراهيته تجاه المنظمة، كما يقول.

عندما كان في الرابعة من عمره، كما يقول فيليب، تعرض لإعتداء جنسي من قبل نجل قائد كبير في حزب الله. “استمر ذلك لمدة 11 عاما”.

طوال تلك الفترة، يقول إنه تعرض للإهانة والتخويف والاغتصاب بشكل روتيني من قبل نجل قائد حزب الله وآخرين. يتذكر فيليب أن إحدى النقاط المضيئة القليلة في طفولته كانت مشاهدة الرسوم المتحركة على القناة الأولى الإسرائيلية، والتي وصلت إشارة البث الخاصة بها إلى منزله في جنوب لبنان.

شخصيات من مسلسل الرسوم المتحركة ’مومينز’ الياباني المستوحى من سلسلة كتب فنلندية، والذي بثه التلفزيون الإسرائيلي. (WikiMedia)

وقال فيليب: “كان ’مومينز’ برنامج أخي المفضل”، في إشارة إلى مسلسل رسوم متحركة مستوحى من سلسلة كتب فنلندية تمت دبلجته للغة العبرية، حول عائلة من فرس النهر.

عندما كان مراهقا، أدان المعتدي عليه في المسجد في بلدته، مشيرا إلى النفاق في حقيقة أنه بينما تعرض للإهانة لكونه مثليا، فإن الشخص الذي اغتصبه لم يكن كذلك. “قالوا، هو ليس مثليا، إنه مريض. أنت مثلي، ويجب قتل شخص مثلك وإحراقه”.

في اليوم التالي أمسك به أعضاء في حزب الله وهددوه: “قالوا لي، إذا تحدثت يوما عما قلته بالأمس، فسوف تختفي”.

بعد محاولة إنتحار، قرر والدا فيليب أن يترك ابنهما بلدته النبطية وأن يدرس في مدرسة داخلية ببيروت.

أن تصبح هدفا لمضايقات “حزب الله”

تخرج فيليب من المدرسة الثانوية، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم بدأ العمل في مجموعة متنوعة من المنظمات غير الحكومية في لبنان.

وقال فيليب إنه خلال ذلك الوقت عمل مراقبا في “الجمعية اللبنانية للانتخابات الديمقراطية”.

وأضاف: “كانت هذه هي السنوات الذهبية في حياتي. كنت في بلدي وأفعل ما أحب”.

في العام التالي، تغير كل شيء. “كان عام 2010 أسوأ عام في حياتي”، كما قال.

أثناء عمله كمراقب خلال الانتخابات الوطنية في البلاد في عام 2009، قدم فيليب تقارير عن الأنشطة غير القانونية لحزب الله في مراكز الاقتراع في قرية حومين الفوقا، بالقرب من النبطية.

وقال “بعد قيامي بذلك، تم وضعي على قائمة”.

فجأة، كما يقول، بدأ أصدقائه يتلقون مكالمات هاتفية من أرقام محجوبة، تسألهم عن سبب رغبتهم في “التسكع مع شاب مثلي”؛ طُلب من مدير المدرسة التي كان يعمل فيها فيليب أن يفصله؛ وتم الكشف عن مثلية صديقه في ذلك الوقت لعائلته المسلمة السنية المحافظة.

وقال فيليب: “ذهبوا إلى عائلته وقالوا لهم، ’إن ابنكم مثلي ويواعد شخصا’. اعتدت عليه عائلته بالضرب المبرح”.

في هذه المرحلة، كما قال، قرر تغيير هدف حياته ومحاربة حزب الله.

وقال: “عندما حدث ذلك، اتخذت القرار – هذه حرب، حرب بمعنى الكلمة. وهؤلاء الأشخاص القذرين، أريد أن يدفعوا ثمن ما فعلوه”.

أولا جهاز الـ”سي آي ايه”، ومن ثمن الموساد

بداية، خشي فيليب من التواصل مع إسرائيل وقرر بدلا من ذلك، كما يقول، التواصل مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي ايه) وعرض على الأمريكيين إعطائهم معلومات عن حزب الله.

وقال: “لقد خشيت من الاتصال مع الموساد لأنني أعتقدت في حينها ان الموساد – يستغلونك ومن ثم يقتلوك. هذا ما كنا نسمعه في لبنان”.

اكتشف حزب الله بطريقة ما أن فيليب يعمل مع الأميركيين وألقى القبض عليه في عام 2011، وسجنه لعدة أشهر، قبل إطلاق سراحه بشرط أن يصبح عميلا مزدوجا، وتزويد المنظمة بمعلومات مخابراتية عن وكالة المخابرات المركزية.

خشية ان يعتقله حزب الله مرة أخرى لأنه لم يكن لديه نية للعمل كعميل مزدوج، فر فيليب من لبنان مع والدته، وسافر أولا إلى سوريا – قبل أن تبدأ الحرب الأهلية هناك – ثم إلى تركيا.

في تركيا ، كما يقول، أجرى أول اتصال له مع الموساد، حيث التقى في نهاية المطاف مع وكلاء المنظمة في الخارج، في عدد من البلدان في جميع أنحاء العالم التي لا تتطلب تأشيرات للمواطنين اللبنانيين. يقول فيليب إنه في هذه المرحلة قطعت الولايات المتحدة علاقاتها معه.

في ديسمبر 2012، كما يقول فيليب، بدأت مشاكله مع الموساد. لم يخبر جهاز المخابرات الإسرائيلي قط أنه سبق وسُجن على يد حزب الله، والموساد أراد منه أن يعود إلى لبنان لجمع معلومات استخباراتية عن المنظمة من هناك، على حد قوله. خوفا من إرساله مجددا إلى السجن، فر فيليب وسافر حول العالم لتفادي العودة إلى لبنان.

أمسك به الموساد في شرق آسيا حيث اعترف لمشغليه الإسرائيليين إنه لم يخبرهم بسجنه الأول لدى حزب الله.

بعد ذلك سافر إلى أوروبا وطلب اللجوء في سويسرا. وفقا لفيليب، رفض المسؤولون السويسريون طلبه، بدعوى إنه لا يمكنهم التحقق بشكل مستقل من أنه مثلي وأنه يتعرض لسوء المعاملة بسبب ميوله الجنسية في لبنان، مضيفين أنه نظرا لأن إسرائيل هي سبب مشكلاته، فهي من ينبغي عليها استقباله.

تم وضعه على طائرة وإعادته إلى بيروت. “بعد كل ذلك، لم يكن أمامي خيار سوى العودة إلى لبنان”، كما قال.

الاعتقال الثاني

أكد مسؤولو حزب الله لوالديه أنه لم يتم اختطاف فيليب أو سجنه على الفور، لكن سيطلب منه التحدث معهم. وهو في حالة ذعر، حاول فيليب الاتصال بإسرائيل في محاولة لمغادرة لبنان في 7 أكتوبر 2013.

وقال: “ذهبت إلى مقهى للإنترنت وفعلت أكثر الأشياء غباء على الإطلاق – كنت خائفا وفتحت موقع الموساد على الإنترنت وأرسلت لهم رسائل: أنا في لبنان وقد أتعرض للاعتقال. ساعدوني من فضلكم. على الأقل اسمحوا لي بالقفز فوق الحدود”.

“بينما كنت أكتب الرسالة، ألقوا القبض عليّ”.

وفقا لفيليب، دخلت مجموعة من الشبان مقهى الإنترنت، حيث قاموا بضربه وإخراجه من المكان. ويعتقد فيليب أن صاحب المقهى رأى ما كان يفعله على الكمبيوتر واتصل بحزب الله.

يقول فيليب إنه أعيد إلى سجن حزب الله، حيث تم وضعه في زنزانة تبعد بضعة أبواب عن الزنزانة التي سُجن فيها في المرة الأولى. “في المرة الأولى التي كنت فيها تم وضعي في الزنزانة 13؛ في المرة الثانية كنت (في الزنزانة) 17 “.

مرة أخرى في سجن “حزب الله”

تم سجن فيليب لمدة عامين قبل أن تتمكن أسرته من إقناع حزب الله بالإفراج عنه، حيث هددت والدته بالكشف علانية عن سنوات الاغتصاب والاعتداء الجنسي التي تعرض لها على يد نجل أحد قادة المنظمة.

يقول فيليب إنه لم يتعرض للتعذيب الجسدي خلال فترة وجوده في السجن، لكنه تعرض للإيذاء النفسي ولأسابيع من الاستجواب المكثف. لكنه، كما يقول ، لم ينهار أبدا.

وقال “لم أخبرهم أنني عملت لدى الموساد. أخبرتهم أنني كتبت لهم للتو أنني أرغب في العمل معهم، وكان ذلك أول اتصال لي معهم. لست متأكدا من أنهم صدقوني،. بعد 15 يوما ، شعروا بالملل مني، ولذا تركوني في السجن”.

يقول فيليب إنه يعتقد أنه إذا عاد إلى لبنان الآن، فلن يمتنع حزب الله عن تعذيبه كما فعل في المرة الأخيرة.

وقال: “سيكون الأمر مختلفا تماما هذه المرة. هذه المرة، أنا متهم بتجنيد شخص من وحدة رضوان”، في إشارة إلى غابريئل، الذي قام بتجنيده من وحدة النخبة التابعة لحزب الله.

من العامين اللذين قضاهما في السجن، يتذكر فيليب تفاصيل حياة السجن، والإهانات اليومية، وكيف أنه تم طلاء كل شيء بلون شديد البياض في محاولة “لدفعك إلى الجنون”، على حد تعبيره.

وروى قائلا: “حصلت على مرتبة صغيرة رقيقة في الزاوية حيث يمكنني النوم والجلوس ؛ بطانية وملعقة وطبق بدا كوعاء للكلاب – لمزيد من الإهانة؛ دلو ماء وثلاثة أكواب بلاستيكية صغيرة ومعجون أسنان وصابون وشامبو ؛ وقرآن وكتاب وصلاة – هذا كل شيء”

وأضاف بابتسامة حزينة ونظرة مرتعشة في عينيه: “كان هذا أسوأ شامبو جربته في حياتي”.

بعد سنتين وشهر ويوم من إدخاله السجن – في 8 نوفمبر، 2015 – تم إطلاق سراح فيليب. “لا يمكنك تخيل ذلك، لقد كان هذا يوما مؤثرا بعد سنتين لم تر فيهما الشمس”.

عندما أعربت عن دهشتي لإطلاق سراحه من السجن بعد عامين فقط لما بدا أنها جريمة خطيرة تتمثل في التعاون مع إسرائيل، عدوة حزب الله اللدودة، قال فيليب إن العقوبة شائعة نسبيا بالنسبة للمنظمة.

وقال “حزب الله لا يحتفظ بالسجناء إلى الأبد. المتبع هو عامين في المنفى، إلا إذا كنت عضوا في [تنظيم] ’الدولة الإسلامية’ أو قاتلا “.

فور إطلاق سراحه، طُلب من فيليب مغادرة لبنان. يقول إنه سافر إلى تركيا ودبي وهونغ كونغ، من بين دول أخرى، وعمل في وظائف غريبة. “كنت مصورا، وقمت ببعض الترجمات، وساعدت لاجئين سوريين في تركيا”، حسبما قال.

تجنيد المقاتل من “وحدة رضوان”

في فبراير 2017، بينما كان يقيم في دبي، قرر زيارة لبنان مرة اخرى لرؤية عائلته. توجه والدا فيليب للمنظمة للحصول على إذن، وسُمح له بالعودة.

يقول إنه خلال هذه الرحلة قام بتجنيد غابريئل، المقاتل من وحدة الكوماندوز “رضوان”، كعميل للموساد.

وقال فيليب: “لقد خرجنا أنا وهو للتخييم لمدة يومين، وأقنعته بالعمل مع الموساد… عدت إلى دبي، وبعثت برسالة إلى الموساد. أعربوا عن اهتمامهم لأنه في وحدة رضوان”.

صورة تم التقاطاه في 3 يونيو، 2019، خلال جولة نظمها الجيش الإسرائيلي داخل أحد الأنفاق التي تم العثور عليها على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل. (JACK GUEZ / AFP)

وحدة رضوان هي واحدة من أبرز وحدات النخبة لدى حزب الله. لو لم تنجح إسرائيل في تحديد موقع أنفاق المنظمة في شمال إسرائيل في الشتاء الماضي وتدميرها، لكان مقاتلو رضوان هم الذين سيتسللون من خلالها لارتكاب المذابح ونهب المدن الحدودية الإسرائيلية.

تجنيد عنصر من الوحدة يمثل انجازا كبيرا بالنسبة للموساد.

في عام 2017، كما يقول فيليب، طلب الموساد منه الانتقال إلى شرق آسيا، وهو يفترض أن السبب في ذلك هو السهولة النسبية في الحصول على تأشيرة دخول.

في وقت لاحق من ذلك العام، التقى بوكلاء الموساد في آسيا، واستلم منهم جهاز اتصال خاص، وطُلب منه العودة إلى لبنان من أجل تسليم الجهاز لغابريئل، وهو ما فعله في سبتمبر 2017، كمال قال.

منذ ذلك الوقت، تمكن غابريئل من تزويد الموساد مباشرة بأدلة مفصلة عن أنشطة حزب الله.

واستمر ذلك حتى مايو 2019، عندما قُبض على غابريئل فجأة وسُجن. يقول فيليب إنه لا يعرف كيف اشتبه حزب الله بأن غابريئل يتجسس لصالح إسرائيل، وإنه اتصل على الفور بمشغليه في الموساد لأخبارهم باعتقال غابريئيل وتحذيرهم من أن جهاز الاتصال قد وقع أيضا في أيدي حزب الله.

هذا هو الوقت الذي أخذت فيه علاقته مع الموساد منعطفا نحو الأسوأ. وفقا لفيليب، على الرغم من تحذيره، بعث جهاز التجسس الإسرائيلي برسالة إلى جهاز الاتصال تكشف أنه هو الشخص الذي قام بتجنيد غابريئل.

وقد أُبلغ لاحقا أن الموساد قد فعل ذلك عمدا كوسيلة لضمان عدم تجنيد حزب الله له ولغابريئل كعميلين مزدوجين.

على الرغم من اعتقاله وسجنه لمدة عامين من قبل حزب الله لكونه جاسوسا إسرائيليا، يقول فيليب إن هذه الرسالة قد حسمت مصيره فعليا مع المنظمة وضمنت عدم تمكنه من العودة بأمان إلى موطنه الأصلي لبنان.

ماذا بعد؟

يبحث فيليب الآن عن ملجأ في أوروبا، حيث لديه بعض الأصدقاء. ومع ذلك ، فإن هذه العملية مكلفة وقد تفشل، مثلما حدث مع محاولته الأخيرة في سويسرا، على الرغم من أن فيليب يأمل في أن يؤدي نشر قصته إلى جعل طلب اللجوء الخاص به أكثر قابلية للتطبيق.

وقال: “طلب اللجوء أمر محفوف بالمخاطر”، مضيفا: “إذا لم ينجح الأمر، وهو ما قد يحدث، فقد يتم ترحيلي مرة أخرى [إلى لبنان]”.

يقول فيليب إنه فكر أيضا في العمل مع أجهزة استخبارات أخرى، بما في ذلك الكويت، لكنه تراجع عن الفكرة في في النهاية لأنهم “ضد إسرائيل. لا أريد أن أكون مع الجانب الآخر”.

علاقته بإسرائيل والموساد معقدة. فمن جهة يعرب فيليب عن غضبه من الحكومة ومشغليه وكيفية تخليهم عنه، وبعد لحظة، يشير إلى الدولة اليهودية بإعجاب وإحساس بالولاء.

وهو يقر بأنه لم يوقّع يوما اتفاقا مع الموساد أو أنه اتخذ ترتيبا رسميا بشأن مستقبله، لكنه قال إنه يعتقد أن هناك “عقدا أخلاقيا” يجب على إسرائيل احترامه.

“في الموساد قالوا لي إن إسرائيل هي دولة قوانين. أين القانون؟ ما هو القانون؟”.

يقول فيليب إنه يعتقد أنه إذا تم ترحيله إلى لبنان، فإن حزب الله – وهو منظمة يُعرف عنها قدراتها في مجال العلاقات العامة – سوف يستخدمه ليكون مثالا يُحتذى به لكل من يفكر بالتعاون مع الموساد، وهو ما قد يثني الآخرين عن مساعدة إسرائيل في معركتها ضد المنظمة.

وقال: “إذا عدت إلى لبنان، فسوف يستخدمون ذلك ضد إسرائيل. جئت للعمل مع الموساد لأنني أؤمن بالسلام والحب والعيش معا من أجل مستقبل مزدهر كجيران. أنا أحب إسرائيل، وأنا أقاتل من أجل السلام طيلة حياتي”.

“آمل يوما ما أن يأكل اللبنانيون الحمص في حيفا ويقومون بالسباحة في تل أبيب ويأكلون الشكشوكا في يافا؛ وان يذهب الإسرائيليون إلى فاريا. آمل أن يأتي هذا اليوم. ”

يقول فيليب إنه تقبل إلى حد كبير فكرة انتحاره في نهاية المطاف لتجنب العودة إلى لبنان ومواجهة الاغتصاب والتعذيب هناك. لكنه يشعر بالقلق إزاء ما سيحدث بعد وفاته.

وقال: “لا أريد إعادة جسدي إلى لبنان. نفس الأشخاص الذين اغتصبوني، ونفس الأشخاص الذين تنمروا عليّ، ونفس الأشخاص الذين قاموا بالتحرش بي جنسيا – سيرون جسدي العاري يُغسل ويوضع في تابوت وقبر. أخشى فقط من أن حتى موتي لن يكون بكرامة”.

وأضاف: “بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، فان أشعر بالفخر. أشعر بالفخر لأنني من بلد كان من الممكن أن أكون فيه إرهابيا، وكان من الممكن أن أكون فيه عضوا في حزب الله، لكنني اخترت ألا أكون جزءا من هذه المنظمة الإرهابية الملعونة”.

على الرغم من شعوره بتخلي إسرائيل عنه، يقول فيليب إنه لا يزال يؤمن أن على الناس في لبنان التعاون مع المخابرات الإسرائيلية.

وقال: “أنا شخصيا أشجع الناس على مواصلة العمل مع الموساد. إنها طريقة حقيقية لإيقاف حزب الله، ونحن بالفعل بحاجة إلى إيقاف حزب الله”.

ويشير فيليب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وغيره من كبار المسؤولين الإسرائيليين يتباهون بشكل روتيني بالبراعة العسكرية للبلاد، لكنهم نادرا ما يعترفون بمصادر المخابرات التي تجعل ذلك ممكنا.

وقال: “معظم الأشياء التي تتباهى بها الحكومة الإسرائيلية، والهجمات في سوريا والهجمات على غزة، والهجمات على أهداف إيرانية – لا يحدث ذلك لأن الموساد يجلس في المنزل وتخبره جنية بأن الإيرانيين ينقلون الأسلحة هنا أو هناك. يحدث ذلك بسبب وجود أشخاص مثلي، يختارون العمل ويعرّضون حياتهم للخطر “.

“كل الدرجات على هذا الهرم هي جزء من هذا النصر. لا ينبغي التخلي عن الأشخاص الموجودين في القاع”.