تم إحباط تمرير مشروع قانون غير مسبوق وواسع النطاق كان من شأنه إعطاء الحكومة القدرة على منع مستخدمي شبكة الإنترنت الإسرائيليين من الوصول إلى أجزاء من أي موقع أو بكامله صباح الأربعاء، قبل ساعات فقط من التصويت النهائي عليه ليصبح قانونا في الكنيست من قبل النواب الذين لم تكن لديهم “أدنى فكرة” عن تداعياته بعيدة المدى.

في خطوة نادرة قد تؤدي إلى زعزعه استقرار إئتلافه المهتز أصلا، أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإزالة ما يُسمى بـ”مشروع قانون التحريض على الفيسبوك” من جدول أعمال الكنيست ليوم الأربعاء بعد أن تبين للتايمز أوف إسرائيل أن القانون ذهب إلى ما هو أبعد مما كان مفهوما مسبقا، حتى بالنسبة للنواب الذين قاموا بطرحه.

وجاء في بيان أصدره حزب “الليكود” الذي يتزعمه نتنياهو يوم الأربعاء “خوفا على المس بحرية التعبير، ومن أجل ضمان حق مواطني إسرائيل في التعبير الحر عن الانتقاد على الإنترنت، طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقف تقدم ’قانون فيسبوك’ وإعادته إلى صيغته وهدفه الأصليين – منع التحريض على الإنترنت”.

وجاء في البيان تعليقا على مشروع القانون، الذي قدمه كل من وزير الأمن العام غلعاد إردان ووزيرة العدل أييليت شاكيد، أن “رئيس الوزراء يعتقد إن اللغة الحالية للقانون مفتوحة لتفسير واسع يمكن أن يسمح للرقابة على الآراء ويتسبب بضرر لحرية التعبير في دولة إسرائيل”.

وكما وضح نتينياهو فإن الهدوف الأولي لمشروع القانون كان المساعدة في محاربة التحريض على فيسبوك، وخاصة التحريض على ارتكاب هجمات.

إنتفاضة فيسبوك

بعد أسابيع قليلة من انطلاق موجة هجمات الطعن التي اجتاحت إسرائيل من أواخر عام 2015 وحتى منتصف عام 2016، بدأ مراقبون وساسة بوصفها ب”انتفاضة فيسبوك”. هجمات “الذئب الوحيد” اسفرت عن مقتل أكثر من 35 إسرائيليا خلال هذه الفترة، وعادة ما كان يتم العثور على بوستات قام منفذو الهجمات بنشرها أشادوا فيها بمنفذي هجمات سابقين عبر حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص فيسبوك.

وأشاد عدد لا يحصى من البوستات والفيديوهات والتغريدات بـ”فضائل” مهاجمة الإسرائيليين، حيث قامت فصائل فلسطينية وأفراد بنشر مواد تحريضية، وأناشيد أشادت بمنفذي الهجمات، بالإضافة إلى فيديوهات تعليمية تتضمن إرشادات للمستخدمين حول كيفية تنفيذ الهجمات. في بعض الحالات، قام منفذو الهجمات بنشر رسائلهم الخاصة قبيل تنفيذهم للهجمات. عدد كبير منهم كانوا قد فقدوا أقارب قُتلوا خلال مهاجمتهم لإسرائيليين، وقاموا بملئ صفحاتهم ببوستات تشيد أو تتوق إلى “الشهادة”.

رسم كاريكاتوري لحسن عبادي يشجع الفلسطينين على طعن الجنود الإسرائيليين. [صورة من Facebook]

ردا على هذه الظاهرة، تم طرح عدد من مشاريع القوانين للثني عنها أو منع ظهور هذا النوع من التحريض على فيسبوك، تم تقديم أولها في مايو 2016 من قبل عضو الكنيست رفيتال سويد (المعسكر الصهيوني) وهدف إلى فرض غرامة مالية بقيمة 300,000 شيقل (77,000 دولار) على فيسبوك على كل تدوينة تشمل تحريضا فشل عملاق الشبكات الاجتماعية في حذفها على الفور. مشروع القانون الذي قدمته سويد – ووقع عليه نواب من الإئتلاف والمعارضة – يحمّل فيسبوك مسؤولية تتبع البوستات وإزالتها، وهو أمر تقول الشركة إنها لا تفعله، حيث تعتمد بدلا من ذلك على المستخدمين الذين يقومون بالإبلاغ عن بوستات إشكالية.

وقالت سويد إنها استلهمت مشروع القانون من نجل رجل من القدس قُتل في هجوم خلال موجة العنف، والذي حض النواب على القيام بالمزيد من أجل محاربة التحريض على شبكات التواصل الاجتماعي. وكان ريتشارد لاكين، وهو مدرس أمريكي الأصل وناشط سلام، قد أصيب إصابة حرجة بعد إطلاق النار عليه في 13 أكتوبر، وتوفي متأثرا بجراحه بعد أسبوعين من الهجوم. نجله، ميخا أفني، أطلق حملة ضد التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، واختير ليكون المدعي الرئيسي في دعوى قضائية شملت 20,000 شكوى ضد فيسبوك.

بناء على مشروع القانون الذي قدمته سويد، قام إردان وشاكيد بطرح النسخة الخاصة بهما، والتي تسمح للحكومة بالسعي إلى إصدار أمر محكمة لإجبار شبكة التواصل الاجتماعي على إزالة محتوى معين بالاستناد على توصيات الشرطة.

في اقتراحه لهذه النسخة لأول مرة في يوليو 2016، قال إردان إن فيسبوك هي “وحش” يمكّن الإرهاب، وأضاف أن يدي مؤسسها، مارك زوكربرغ، ملطخة بدماء هاليل أريئيل، الفتاة ابنة الـ 13 عاما التي قُتلت طعنا في إحدى الهجمات.

وزير الأمن العام غلعاد إردان يشارك في جلسة للجنة في الكنيست، 2 يوليو، 2018. (Hadas Parush/Flash90)

يوم الأحد غرد إردان بأنه يفخر بالتشريع، لكنه حذر من أنه يجب على إسرائيل “السعي إلى وضع المسؤولية كاملة على شركات الإنترنت ل’تنظيف’ منصاتها، وعدم انتظار الشرطة لمراقبتها والتوجه إليها”.

ورفض كل من إردان وشاكيد الأربعاء التعليق على قرار حذف مشروع القانون من جدول أعمال الكنيست.

’أي موقع إلكتروني’

في حين أن الاقتراح الأولى هدف إلى معالجة ظاهرة التحريض على الإرهاب على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن مشروع القانون الذي تمت المصادقة عليه في لجنة في الكنيست يوم الاحد لطرحه للتصويت النهائي عليه يسمح بفرض رقابة على “أي موقع إلكتروني يمكن للجمهور أو جزء من الجمهور الوصول إليه، حتى لو تتطلب الوصول إليه كلمة مرور أو رمز، أو دفع رسوم أو عدم دفع رسوم، أو ما إذا كان مقر الموقع في إسرائيل أو خارجها”.

بالاستناد على المناقشات التي أجرتها لجنة مشتركة تم تأسيسها للتعامل مع مشروع القانون مكونة من أعضاء كنيست من لجنة القانون والدستور والعدل ولجنة العلوم والتكنولوجيا، ذكر موقع تايمز أوف إسرائيل الأحد أن القانون لن ينطبق فقط على مواقع التواصل الاجتماعي مثل “تويتر” و”فيسبوك”، كما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية في وقت سابق، لكنه سيؤثر أيضا على أي موقع يضم محتوى من إنشاء المستخدمين. ويشمل ذلك محتوى من مدونات خاصة ومنصات تدوين على مواقع إخبارية معينة، مثل قسم المدونات في تايمز أوف إسرائيل.

إلا أن النسخة النهائية من مشروع القانون كانت ستذهب أبعد من ذلك، وستمنح الحكومة، بتصريح من محكمة إدارية، صلاحية حظر أي محتوى من أي موقع يُعتبر مخالفا لأي قسم من قانون العقوبات الإسرائيلي.

القسم 2 (أ) من مشروع القانون، على سبيل المثال، ينص بالاستناد على طلب من وزارة العدل على أن أمر محكمة قد “يجبر ناشر محتوى، أو المالكين أو مدراء أي موقع على إزالة المحتوى من الإنترنت إذا كانت على قناعة بإرتكاب عمل جنائي من خلال نشره على موقع الإنترنت، وأن هناك احتمال حقيقي بأن استمرار النشر سيمس بأمن فرد أو أمن الدولة أو يتسبب بضرر حقيقي للاقتصاد أو بنى تحتية حيوية في دولة إسرائيل”.

ويضيف القسم 2 (ب) أنه يمكن إصدار أمر مماثل لمنع محرك بحث، مثل “غوغل”، من السماح بظهور محتوى أو حتى وجوده على الإنترنت.

بالإضافة إلى ذلك، بحسب مشروع القانون، إذا كانت السلطات تريد منع الوصول إلى محتوى على أي موقع إلكتروني، بما في ذلك مواقع إخبارية محلية وعالمية، فهي غير ملزمة بإثبات حججها ضد المدعى عليها وسيكون عليها بدلا من ذلك مواجهة جلسة إدارية مغلقة أمام قاض فقط. علاوة على ذلك، سيكون بإمكان السلطات الحصول على أمر حظر نشر  لأي معلومات حول القرار، ومنع الجمهور من معرفة ما إذا كان تم أصلا فرض رقابة.

وعلى عكس معظم أوامر التدخل القضائية الأخرى، فلن يكون هناك أي حد زمني لأمر إزالة المحتوى وأمر حظر النشر حول إزالته ما يعني أنه قد يستمر إلى الأبد.

’لم يكن أحد يعرف’

المناقشات التسعة التي أجرتها اللجنة لمشروع القانون والتي أجريت بين 30 يناير 2019 وحتى يوم الأحد من هذا الأسبوع، 15 يوليو، 2018، استبعدت أي إشارة جوهرية للنطاق الواسع لمشروع القانون.

وأعلن بيان أصدره قسم المتحدث بإسم الكنيست في أعقاب النقاش الأخير الذي أجرته اللجنة  أن “الأمر التوجيهي المقترح سينطبق على محتوى يظهر على شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر وما إلى ذلك، بالإضافة إلى مزودي محركات البحث مثل غوغل، فيما يتعلق بما ينص عليه الأمر التوجيهي بعدم تمكين وضع محتوى مسيء في نتائج البحث”.

واقر كل من مؤيدي القانون الذين حاربوا من أجل تطبيق أكثر قوة لأحكام الرقابة، وأعضاء الكنيست الذين سعوا إلى الحد من نطاق مشروع القانون لتايمز أوف إسرائيل بأنهم لم يدركوا أن القانون سنيطبق على شبكة الإنترنت بالكامل.

رئيس اللجنة، نيسان سلوميانسكي، في جلسة للجنة الدستور والقانون والعدل في الكنيست، 16 يناير، 2018. (Yonatan Sindel/Flash90)

وردا على سؤال فيما إذا كان رئيس اللجنة نيسان سلوميانسكي (البيت اليهودي) على علم بأن مشروع القاون يدعو إلى تمكين فرض عقوبات على مصادر إخبارية ومواقع إخبارية أخرى غير اجتماعية، قال المتحدث بإسم عضو الكنيست إن نقاش اللجنة ركز على فيسبوك.

متحدثا بإسم سلوميانسكي قال إن نقاشات اللجنة ركزت على مواقع التواصل الاجتماعي “لأنه هذا هو السبب الذي من أجله تمت صياغة مشروع القانون”.

خلال المداولات، أشار سلوميانسكي مرارا وتكرارا إلى أن “مواقع التواصل الاجتماعي” هي الهدف الرئيسي لمشروع القانون، مع حذف أي ذكر للمواقع الأخرى، مثل الصحف الإلكترونية أو منصات التدوين. يوم الأحد، قائلا إن أمر المحكمة يجب أن يدخل حيز التنفيذ فور صدوره، قال سلوميانسكي: “لا أريد أن تقوم غوغل وفيسبوك بتحديد حدود حرية التعبير”.

المتحدث بإسمه قال في حين أنه كان من الواضح للجميع أن مشروع القانون لا يركز فقط على فيسبوك، “لم يكن من الواضح على الإطلاق” أنه قد يؤثر على جميع المواقع في الإنترنت.

سويد، التي قدمت مشروع القانون الأصلي، قالت إنها امتنعت عن التصويت في اللجنة لأنها تعتقد أن النسخة المحدثة لمشروع القانون ذهبت “أبعد بكثير” من اقتراحها، لكنها أقرت بأنها لم تعتبر أن التشريع يمكن أن يشير إلى جميع المواقع الإلكترونية.

وقالت لتايمز أوف إسرائيل هذا الأسبوع قبل إعلان نتنياهو: “لم يكن أحد يعلم أن هذا هو هدف مشروع القانون. لم نناقش ذلك. كان من المفترض أن ينطبق القانون على فيسبوك وغوغل وشبكات اجتماعية أخرى وهذا ما اعتقدناه”.

عضو الكنيست رافيتال سويد (المعسكر الصهيوني) تصل إلى اجتماع للجنة تعيين القضاة الحاخاميين في القدس، 2 مايو، 2016. (Shlomi Cohen/Flash90)

وأضافت سويد: “كان يجب تطبيق القانون فقط على التحريض على الإرهاب كما ورد في مشروع القانون الأصلي الذي بادرت إليه، أو على الأقل على قائمة مغلقة من الجرائم، كما اقترحت في اللجنة”.

مقرة هي أيضا بأن النطاق الواسع للقانون لم يكن مفهوما من قبل أعضاء اللجنة، قالت رونين غال، المتحدث باسم الكنيست للجنة، إن اللغة تغيرت في البداية من الإشارة فقط إلى مواقع التواصل الاجتماعي حتى تشمل مواقع فيديو مثل “يوتيوب” أو مواقع إباحية، حيث “يمكن ارتكاب جرائم من خلال نشر مقاطع فيديو لممارسات جنسية دون إذن من المشاركين”.

وقالت إن هدف اللغة لم يكن توسيع نطاق مشروع القانون ليشمل الإنترنت بكامله، “حتى لو كان هذا ما قام به فعليا”.

وقالت دكتور تهيلا شفارتس-ألتشولر من “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” إنه على الرغم من متابعتها للقانون منذ نشأته وجلوسها في العديد من نقاشات اللجنة، لكنها هي أيضا فشلت في فهم معناه الحقيقي.

بعد التحدث مع تايمز أوف إسرائيل، قالت شفارتس-ألتشولر إنها قامت ب”مراجعة كاملة” للقانون مع مساعد قانوني آخر في المعهد و”توصلت إلى الاستنتاج نفسه”.

حتى قبل الكشف، وصفت شفارتس-ألتشولر مشروع القانون بأنه “واحد من أشد الانتهاكات لحرية التعبير التي تم تمريرها من قبل الكنيست الحالي”.

تهيلا شفارتس ألتشولر، باحثة زميلة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. (Courtesy)

وحذرت يوم الأحد من أن مشروع القانون يسمح برقابة واسعة الناطق ضد “كل شيء يمكن تصوره تقريبا”. وقد يشمل ذلك “الدعوة إلى ثورة، التحريض على العنصرية، دعوة الناس إلى عدم الانضمام إلى الجيش، تحريض الناس على عدم دفع الضرائب، والتحريض ضد مسؤولين حكوميين”.

وقالت شفارتس-ألتشولر إن “هذا هو التطبيق الأكثر تطرفا لقانون كهذا في العالم الديمقراطي بأسره”، واصفة مشروع القانون ب”تهديد حقيقي على حرية المعلومات وحرية التعبير في إسرائيل”.

يوم الأربعاء وصفت مشروع القانون ب”المسخ”.

وقالت “في حال تم تمرير مشروع القانون، قد تعود دولة الشركات الناشئة عقودا إلى الوراء من حيث حرية التعبير. اليوم، تناقش الكثير من الدول كيفية تنظيم محتوى شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن أي منها لم تقترب إلى التشريع المتطرف المقترح في مشروع القانون هذا… في حال تم تمرير مشروع القانون، ستصبح الدولة رقيبا رئيسيا على مواقع التواصل الاجتماعي”.

بعد مراجعة مشروع القانون وإدارك مدى نطاقه الواسع، توجهت شفارتس-ألتشولر وسويد إلى المحامي غور بلالي، وهو مستشار قانوني للجنة القانون والدستور والعدل في محاولة أخيرة لتغيير مشروع القانون أو إزالته من جدول أعمال الكنيست قبل التصويت الأخير عليه.

ولا يحق لأعضاء القسم القانون في الكنيست التعليق على التشريعات ولكن ثلاث مصادر منفصلة قالت لتايمز أوف إسرائيل إن التوجه لبلالي والإجراءات التي اتخذها بعد ذلك هي التي أدت مباشرة إلى قرار نتنياهو.

وقال أحد المصادر المطلع مباشرة على العملية إن “مكتب المدعي العام تدخل” في المسألة وقام “بالتحرك بسرعة كبيرة بعد أن أدرك الناس ما يحدث”.

في أعقاب إعلان نتنياهو يوم الأربعاء، قال سلوميانسكي إنه متمسك بالنسخه التي مررتها لجنته لمشروع القانون، وانتقد رئيس الوزراء بشدة لمنع الكنيست من التصويت عليها.

وقال في بيان صحفي إن “اللجنة عملت على مشروع القانون على مدى فترة طويلة من الزمن ووجدت التوازن الملائم بين أمن الدولة وحرية التعبير. للأسف، هناك قوى ذات نفوذ هنا مع مصالحها الخاصة بها التي لن تسمح بتمرير مشروع القانون هذا. يؤسفني أن رئيس الوزراء لا يرى الصورة الكبيرة”.

ورفض مكتب رئيس الوزراء التعليق.