في البيان الرسمي جاء أنه في الساعة 11:00 صباحا تماما، ستخرج مسيرة إحتجاجية ضد المس بالمسجد الأقصى من مدخل جامعة القدس المفتوحة في أبو ديس. ولكن وكما في الأفراح الإسرائيلية، لم يصل أي أحد من المشاركين تقريبا في الوقت المحدد. في 11:30 كان الحضور قليلا جدا عند أبواب الجامعة المعروفة، التي خرج منها إثنان من أول منفذي الهجمات في موجة العنف الأخيرة، أو كما يصفها الفلسطينيون “هبة القدس”: ضياء تلاحمة، الذي حاول قبل بضعة أيام من الهجوم في إيتمار تنفيذ عملية في منطقة الخليل ولكن العبوة الناسفة إنفجرت في يده ما أدى إلى مقتله، ومهند حلبي، قاتل الحاخام نحاميا لافي وأهرون بينت في البلدة القديمة في القدس. بعد مرور بضعة دقائق ظهر طرف الحشد قادما من الجنوب، وإقترب من الجدار الفاصل، على بعد بضعة عشرات الأمتار فقط من الجامعة. ظهر الكثير من الملثمين بين الحشود، الكثيرون منهم ارتدوا قمصانا حملت صورة ضياء تلاحمة. كانت هناك أوشحة لحماس وفتح وكوفيات حمراء للجبهة الشعبية، بإختصار كل الألوان كانت هناك. في المقابل من الشمال، في توقيت لم يأت من قبيل الصدفة، توجهت نحوهم عشرات الطالبات، لم يتوقفن للحظة عن نشيد الأغاني الوطنية والدينية. “خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود”، هتفن بصوت عال. معظمهن مع حجاب على رؤوسهن ولكن كانت هناك بينهن أيضا فتيات من دون حجاب وبدون علمانيات تماما. الشابات فصلن أنفسهن عمدا عن مئات الطلاب وفي الوقت الذي قام به هؤلاء بالضرب بشدة مع مطرقات على الجدار، ظلت الطالبات من الوراء لنشد الأناشيد. ليس بأكثر المشاهد نسوية ولكن بالنظر إلى أيام مضت لم تشارك فيها النساء على الإطلاق في التظاهرات، يبدو ذلك كتصريح جندري.

الجيش الإسرائيلي لم يظهر حتى الآن في الأفق، وواصل المشاركون بإلقاء الحجارة نحو الطرف الآخر من الجدار من دون هدف. من كل الأطراف سُمعت الهتافات: “شباب، شباب، أدخلوا القمصان داخل البنطلون”. كرمز يتم تناقله بين مئات المشاركين، خوفا من دخول المستعربين بين صفوف المتظاهرين، كما حدث في التظاهرة على مقربة من بيت إيل. الصور والأفلام التي تم تصويرها في هذه التظاهرة أثارت بعض الذعر من المستعربين. يسارع الجمهور إلى الإصغاء لهذا النداء والملثمون جميعهم، مع قميص داخل البنطلون. يقوم شاب شجاع بتسلق جدار الفصل ويقف عليه بكل فخر وإعتزاز.

هذه هي الدقائق الميتة، قبل وصول الجيش. جزء من المتظاهرين قرر أخذ إستراحة صغيرة وزيارة محل البيتسا مقابل بوابة مدخل الجامعة. إلا أنه في هذه اللحظة ظهرت مركبات الجيش وعندها صرخ المتظاهرون بصوت يشبه الهدير أعلنوا من خلاله عن وصول “العدو”. الشبان، الذين كانوا منشغلين بأكل البيتسا، قفزوا من كراسيهم، مع قطع البيتسا بين أيدهم وسارعوا للإنضمام إلى إخوانهم مقابل الجدار. معدل سرعة إلقاء الحجارة وصل إلى نقطة بدا فيه لبضعة ثوان وكأنه معركة من العصور الوسطى: سُمع هدير آخر من الأسفل والذي أدى إلى إلقاء حجارة كثيف جدا تطايرت فيه مئات الحجارة في وقت واحد إلى الطرف الآخر من الجدار.

مضت بضع ثوان ومن الطرف الإسرائيلي أٌلقيت قنابل مسيلة للدموع. بداية حاول الشبان إرجاع هذه القنابل برميها إلى الطرف الثاني ولكن في مرحلة معينة ملأ الغاز المسيل للدموع المكان ما دفع المئات من المتظاهرين إلى الفرار من المكان، معظمهم إلى داخل الجامعة. مجموعة قليلة من الشبان الذين يتحلون بشجاعة الكافية ظلوا أمام القوات الإسرائيلية وحاولوا من دون جدوى إرجاع أصدقائهم إلى ميدان المعركة. في هذه المرحلة بدا أن الشباب كانوا منشغلين بما يشغل أيضا الجيل الشاب في إسرائيل: تحميل الصور التي قاموا بإلتقاطها بالهواتف المحمولة على الفيسبوك والإينستوش.

هذا الجيل من الشباب الفلسطينيين، يٌلقب في المجتمع الفلسطيني بـ”أطفال أوسلو”. ولُدوا بعد إتفاق أوسلو عام 1993 وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية. سمعوا عن الإحتلال الإسرائيلي بنمطه القديم، ولكنهم لا يدركون معناه تماما. السلطة الفلسطينية بالنسبة لهم هي السلطة منذ لحظة ولادتهم ولكنهم ينظرون إليها بإزدراء معلن وبتشكك. في عملية “الجدار الواقي”، كان معظمهم أطفالا صغارا، وجزء منهم لم يولد بعد. إنهم مدمنون على الإنترنت وبالطبع الفيسبوك، وبالنسبة لهم فإن وسائل الإعلام الرسمية التابعة للسطلة (التلفزيون والإذاعة الفلسطينية) هي من عصر “التسعينات”. يتناقلون بين بعضهم البعض أشرطة فيديو ورسائل عبر “الواتس أب” وتطبيقات أخرى (مثل شريط الفيديو لمنفذة الهجوم من الناصرة التي أطلق رجال الشرطة النار عليها بعد أن أحاطوها من كل الجهات) وهكذا يكوّنون شبكة إتصالات وأخبار خاصة بهم. حتى أن الجزيرة بالنسبة لهم بمثابة “أخبار للمسنين”.

منطقة الشفق

تقع جامعة القدس المفتوحة في أبو ديس شرقي القدس، مقابل الجدار الفاصل، على الخط ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وهي منطقة شبه محرمة. إقترحت إسرائيل على السلطة الفلسطينية إقامة مركز شرطة مدنية ولكن الأخيرة رفضت الإقتراح خشية أن يتم تفسير الأمر كتنازل عن الحوض المقدس كما يبدو. مثل قرى أخرى في القدس الشرقية التي تتمتع بمكانة مماثلة، تحولت هذه المناطق إلى “مناطق شفق”، لا يوجد فيها هيئة سيادية واضحة أو نظام لإنفاذ القانون. كذلك الأمر بالنسبة للعيزرية والرام وقلنديا وكفر عقب، وطبعا مخيم شعفاط للاجئين. الإهمال المستمر على مدى عشرات السنين خلق هنا شعورا صعبا بالتمييز والكراهية، ليس فقط ضد إسرائيل، ولكن أيضا ضد سكان الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية.

عند مدخل مخيم شعفاط للاجئين، يستقبلنا فتيان وشبان ملثمون يقومون بإلقاء الحجارة على قوات شرطة حرس الحدود عند الحاجز. من الصعب التصديق أنه على بعد بضعة مئات الأمتار فقط من المنازل في التلة الفرنسية ومن خط سكك الحديد للقطار الخفيف، يتواجد أحد الأماكن الأكثر تخلفا وإشكالا في الأراض الفلسطينية. من كل جهة يعلو دخان من أكوام النفاية التي لم يتم جمعها. قبل يومين فقط قُتل هنا الشاب الفلسطيني أحمد صالح في مواجهات مع القوات الإسرائيلية وفي الأمس قام أحد سكان المخيم، ويُدعى محمد علي، بتنفيذ هجوم طعن عند باب العامود نجح خلاله بإصابة شرطيين قبل أن يقوم زملائهما بإطلاق النار عليه وقتله.

عند المدخل لمنزل عائلة علي كان هناك عشرات الأشخاص يجلسون على الكراسي في الإنتظار. جثة أممد لم تٌسلم إلى العائلة حتى الآن، وهناك شك بأن يتم تسليمها اليوم. أحد هؤلاء هو والد أحمد صالح، الذي قُتل قبل يوم فقط. “قتلوا إبني بدم بارد”، قال الأب. “عمل معي كتقني كهرباء. في عدة أماكن. كنا نقوم بمشروع حاليا في مفترق المسمية الكبري، وقبل ذلك في رمات غان. أقول لك أنه لا توجد لدي أية مشكلة، أقوم بأعمال في المستوطنات أيضا وفي كل مكان طٌلب مني ذلك. كان علي أن آتي بلقمة العيش لبيتي وهذا ما كان يهمني. لدي أطفال لإطعامهم ونحن لاجئون، لا مال لدينا. كارثتنا بدأت عندما أسسوا السلطة الفلسطينية، من هنا بدأت المشاكل. وأقول لك أن عباس (رئيس السلطة الفلسطينية)، يجب أن يذهب. أن يسقط. وعلى الشعب أن يحاسبه. السلطة دمرت كل شيء”، قال هذه الأمور بينما حاول شخص آخر أن يشرح أنه أب ثكل إبنه وأن أقواله نابعة من غضب.

أحد سكان المخيم لا يعجبه وجود صحافيين إسرائيليين في المكان وأحد الحاضرين يغضب منه ويقوم بإسكاته. من المكان تمر دراجة نارية تحمل صورة أحمد علي وعلم فتح. الجميع هنا يتحدث عن المس بالأقصى. سميح، وهو لبس مم سكان المخيم في الأصل ولكنه إنتقل للعيش هنا من منطقة الخليل، يشرح لنا أن “الكل بسبب الأقصى. لماذا كان عليكم الذهاب إلى هناك؟ إشرح لي. هل طلبنا مرة أن نصلي في حائط المبكى؟ لماذا لا تمنعون المستوطنين من دخول الأقصى؟”

سألته، “قل لي هل نحن في إنتفاضة الآن؟”. وكان جوابه، “نحن في إنتفاضة ثالثة ورابعة وخامسة ولن ينتهي ذلك. إذا كنتم تعتقدون أن ذلك سينتهي فإنتم مخطئون”.

“ولكن كيف تفسر أ، سكان الضفة لم يسارعوا بالإنضمام إلى هذه الإنتفاضة؟ فالمئات فقط يخرجون للتظاهر”.

قاهر محمد علي، إبن عم منفذ الهجوم يتدخل في الحديث. “أريد أن أشرح لك ما حدث. قاموا بتنجيد سكان الضفة بالسيارات والشقق والرهن العقاري. مثلكم في إسرائيل. فالوضع لم يعد يهمهم. نحن من يدفع الثمن هنا. نحن لسنا تحت سيادة السلطة ولا تحت سيادة إسرائيل”. بهاء، أحد سكان المخيم المعروفين، يحاول أن يشرح لي ما الذي يجب أن يحدث. “هناك أمور يجب أن تتغير. لا يمكن للوضع الحالي أن يستمر وهذا يتعلق بالأخص بالقدس. يجب إتخاذ قرار مرة واحدة وللأبد ماذا سيحدث معنا، مع شعفاط ومع أماكن أخرى: هل نحن تحت سيادة السلطة أو إسرائيل. الوضع الحالي الذي نحن فيه لسنا تحت سيادة أحد أدى بنا إلى الوضع الذي نحن به اليوم. قرروا. وإذا قررتم ضمنا إلى إسرائيل، تفضلوا واجلبوا إلى هنا الشرطة والبلدية وكل شيء. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلتحكم السلطة الفلسطينية هنا”.

إبن عم آخر لعلي، يُدعى رستم محمد علي، يسارع إلى التدخل ويقول: “السلطة الفلسطينية؟؟ إنهم أصلا واحد من مكاتب حكومة إسرائيل. هل تعتقد أننا نثق بهم؟”