يثير مرضى فيروس كورونا الذين تعافوا من المرض حيرة الأطباء حيث يشتكون من آلام غريبة، ورئتين لن تعود إلى طبيعتهما، وعدد من المشاكل النفسية المعطلة للحركة.

يقول بروفيسور غابريل إيزبيكي من المركز الطبي “شعاري تسيدك” لتايمز أوف إسرائيل: “أكثر من نصف المرضى المتعافين، بعد أسابيع من إظهار فحوصاتهم لنتائج سلبية، لا تزال تظهر عليهم أعراض المرض”.

ويعمل إيزبيكي على دراسة تتضمن متابعة المرضى الذين كانوا في المستشفيات أو فنادق كورونا، ودراسة التأثيرات اللاحقة للفيروس ومحاولة فهم سبب استمرار معاناة المرضى بعد تأكيد شفائهم من المرض. وقال إيزبيكي: “هناك القليل جدا من البحوث بشأن التأثير متوسط الأجل لفيروس كورونا”، مضيفا أن هناك حاجة ماسة لمزيد من البحوث لتوجيه الأطباء.

في بني براك، في أول عيادة مجتمعية في إسرائيل، شهد الأطباء ارتفاعا ملحوظا في الأيام الأخيرة في عدد المرضى الذين يعانون من آلام يبدو أنها تأتي من العدم.

وقال عيران شنكر، مدير العيادة التي تم افتتاحها منذ شهر في بني براك ويديرها صندوق المرضى “مكابي”، أنه “يمكن أن تظهر [الآلام] في اليدين أو القدمين أو أماكن أخرى لا يوجد للفيروس تأثير مباشر عليها، وإذا سألت عن درجة الألم من سلم 1 إلى 10، فيمكن أن تكون 10، حيث يقول أشخاص أنهم غير قادرين على النوم… هذه أمور بدأنا نلاحظها بشكل أكبر في الأسبوع الأخير”.

رجل يسعل (iStock)

’محطم’ بسبب الفيروس

تحدثت مريضة من العيادة إلى “تايمز أوف إسرائيل” بشرط عدم نشر اسمها. تم تشخيص إصابتها بالفيروس في مارس وكانت نتائج الفحص الذي أجري لها سلبية قبل شهر. لكن السيدة، المقيمة في بني براك وهي في الأربعينيات من عمرها، لا تزال تعاني من التعب الشديد والقلق، ولا يمكنها المشي سوى بضع دقائق في كل مرة.

وقالت إن زوجها، الذي أصيب أيضا بفيروس كورونا في شهر مارس وأظهر الفحص الذي أجري له في الشهر الماضي نتائج سلبية، “يشعر الآن وكأنه محطم. إنه في الواقع أسوأ مما كان عليه عندما دخل المستشفى”.

وكان زوجها (55 عاما) يعاني من مشاكل صحية قبل إصابته بفيروس كورونا في شهر مارس، ولكنه كان نشيطا “من الصباح حتى المساء” مع الكثير من الطاقة. أما الآن فهو يعاني من خمول شديد، ويمشي بصعوبة، ويعاني من مشاكل في القلب، كما تقول.

جاء ذلك بمثابة صدمة للعائلة، لأن خلال مكوثه بداية في المستشفى في مارس وأوائل أبريل لم يكن بحاجة إلى الأكسجين ولم تظهر الأشعة السينية أي ضرر على رئتيه. تم إدخاله إلى المستشفى مرة أخرى خلال أبريل مع أعراض تشبه الالتهاب الرئوي، وأظهر الفحص الذي أجري له نتائج سلبية في شهر مايو. لكن الرجل أصيب بعد ذلك بآلام ومشاكل كبيرة في التنفس، واطلع على حالته أطباء قلب وخبراء أعصاب وفرق إعادة التأهيل وغيرهم من المتخصصين في العيادة.

بحسب شنكر فإن هذا الرجل “أحد الحالات الصعبة، ولكنه ليس الأسوأ ويوجد مرضى يعانون أكثر”.

وقال إنه في جميع أشكال الأمراض، يمكن أن يعاني المرضى من فترة استشفاء طويلة، ويمكن أن يؤدي استخدام أجهزة التنفس الاصطناعي إلى إبطاء الشفاء التام – لكن كوفيد-19 يسبب أنماطا لا تُرى عادة.

وقال لتايمز أوف إسرائيل: “نحن مندهشون من أن الناس لا يعانون فقط من الأشياء التي توقعناها، ولكنهم يعانون من أشياء لم نكن ندرك أنها ذات صلة. الأمر ليس بكتاب مدرسي”.

وشدد على أن مرضاه لم يتعافوا جميعا حديثا، وقال: “كان بعضهم مصابا بفيروس كورونا في مارس، لذا ربما تعافوا منذ أشهر”.

غابريئل إيزبيكي، رئيس المعهد الرئوي في المركز الطبي شعاري تسيدك.(Shaare Zedek Medical Center)

كما أكد إزبيكي، مدير المعهد الرئوي في شعاري تسيدك، على أن العديد من مرضاه أعلِن عن شفائهم من فيروس كورونا منذ فترة طويلة. إحدى أكبر المفاجئات، كما قال، أنه لا يمكن توقع من هم المرضى الذين لن يستطيعوا التخلص من آثار المرض، ومن منهم الذي يتعافى كليا.

وقال: “ضمن الأعراض التي فحصناها ، كشفنا عن ضعف عام بين غالبية المرضى إلى جانب ضيق التنفس وسعال مستمر ومشاكل أخرى في التنفس والرئة”، مضيفا أنه على دراية بالآلام الغريبة التي تحدث عنها شنكر.

هذه الآلام – التي تظهر لدى المرضى صغار السن وكبار السن على حد سواء – تجعل الأطباء في حيرة من أمرهم. “مسكنات الألم تمنع الألم ولكن لا تخفف من مصدره” كما يقولا شنكر، “لكننا لا نعرف كيف نتعامل مع المصدر ولا يمكنك أن تتعاطى المسكنات طوال حياتك”.

في حين أن الآلام موجعة للبعض، يصفها البعض الآخر على أنها تسبب إزعاج كبير: شعور بالحرق أو وخز، أو مجرد إحساس يصعب تحديده بأن أحد الأطراف لا يبدو طبيعيا.

عادة لا تظهر إنذارات حمراء لدى المرضى الذين يعانون من هذه الآلام خلال الفحوصات الطبية الرئيسية. “نقوم بفحص الرئتين والقلب وهم لا يعانون من مرض، ولا يعانون من مشاكل عصبية. نقوم بإجراء فحوصات ولا يظهر أي شيء، ولكنهم يعانون من هذا الألم الذي يشتكون منه مرارا وتكرارا”.

يقول دان أويرو، نائب مدير الطب في مكابي بوسط البلاد، إن القضية الكبرى التي يتعامل معها الأطباء هي التغيير البعيد المدى في حياة الناس، حيث لا يستطيع الأطباء التنبؤ بنقطة النهاية.

دان أويرو ، نائب مدير الطب في صندوق المرضى مكابي في وسط إسرائيل (courtesy of Maccabi Healthcare Services)

وقال: “الشيء الأكثر إزعاجا هو أن الناس يقارنون ما يشعرون به الآن بما كانوا عليه قبل أسابيع قليلة من إصابتهم، ويقولون إنهم لا يستطيعون فعل الأشياء التي اعتادوا القيام بها”.

في بعض الأحيان، لا تعود حاستي التذوق والشم، التي يفقدها المرضى أثناء مرضهم. عندما يسأل المرضى ما إذا كانتا ستعودان، وبالنظر إلى أن الأطباء لديهم خبرة محدودة بهذا المرض، فلا يمكنهم إعطاء إجابة واضحة. “نحن لا نعلم”، كما يقول أويرو.

عندما يكون بإمكان الأطباء الاستناد على سوابق من أمراض أخرى، فيمكن أن يكون هذا الأمر سيئا.

يقول شنكر إن المرضى المسنين الذي تضرروا بشدة من فيروس كورونا، حتى لو لم تكن لديهم مشاكل سابقة في الجهاز التنفسي، يمكن أن يصلوا لوضع تعمل فيه الرئتين بنصف قدرتها، حتى بعد امتثالهم للشفاء من المرض بفترة طويلة.

وقال: “لديهم رئتان، لكنهما تعادلان رئة واحدة، لأن كل رئة تعمل بنسبة 50% – وقد يبقى الأمر كذلك طوال حياتهم”، ويستخلص شنكر هذا الاستنتاج من نمط تلف الرئة الذي يمكن رؤيته في بعض الأمراض الأخرى – ولكن عادة ما يؤثر فقط على المرضى الذين عانوا من مضاعفات رئوية سابقة.

ويوضح شنكر إن “الضرر لم يتسبب به الفيروس، ولكن عملية الإلتهاب التي كما نعرف من أمراض أخرى لن تترك الرئتين مع قدرة تبادل الأكجسين كما كان الوضع من قبل”.

عيران شنكر، مدير العيادة للمرضى الذين تعافوا من كوفيد-19 التابعة لصندوق المرضى مكابي في مدينة بني براك. (courtesy of Maccabi Healthcare Services)

ويقول إيزبيكي إنه بالاستناد على خبرته يمكن أن يؤثر تلف الرئة المرتبط بكوفيد على المرضى من جميع الأعمار، مضيفا إنه يشارك القلق من أن الناس لن يستعيدوا أداء الرئة بالكامل. وقال “لا نعرف ما إذا كانت اختبارات وظائف الرئة ستصبح طبيعية”.

يحتاج بعض المرضى إلى علاج طبيعي.”لقد رأينا حالات فقدان الوزن شديدة للغاية بحيث يجد الناس صعوبة في المشي”، كما يقول شنكر، وفي الوقت نفسه، فإن بعض الأشخاص القادرين جسديا على التنقل ليس لديهم الطاقة أو الدافع للقيام بذلك.

ويضيف شنكر إن بعض هؤلاء المرضى صغار السن ونشطون في العادة.

“إنه لأمر مدهش عدد الأشخاص الذين عادوا إلى العمل – يمكن أن يكونوا معلمين ومحامين وفي مهن أخرى – ولكن عندما يجلسون لمدة ساعة يشعرون بالقلق وبعدم الأمان، وأحيانا يعاني الناس من الاكتئاب بما يتجاوز توقعاتنا”.

مريض تعافى من فيروس كورونا في زيارة لدى طبيب القلب في عيادة خاصة في مدينة بني براك يديرها صندوق المرضى مكابي. (courtesy of Maccabi Healthcare Services)

وقال أويرو: “إن الشكاوى الرئيسية هي في الواقع الإرهاق، وفترات مكثفة من الطاقة المنخفضة – لا شيء يمكننا تسميته. يقول الكثير من الناس أنهم لا يتمتعون بالطاقة التي كانت لديهم من قبل، وإنهم أكثر تعبا. البعض يقول إنه لا يملك الدافع للقيام بالأشياء. لا يمكننا تسمية ما يشتكون منه أو إخبارهم بأنهم يعانون من متلازمة معينة، لكننا نحاول مساعدتهم”.