قبل ثلاثة أشهر في واشنطن، أشاد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بـ”حكمة” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، و”الشجاعة” و”القدرة التفاوضية العظيمة” لديه. في حديثه في غرفة روزفلت في البيت الأبيض حيث كان عباس وترامب يتحدثان لوسائل الإعلام، انتقل عباس للتكلم من الإنجليزية الى العربية قائلا: “الآن، سيدي الرئيس، بكم لدينا أمل”.

عشرون يوما لاحقا، التقى الرئيسان مرة أخرى، وهذه المرة في القصر الرئاسي في بيت لحم. قال عباس لضيفه المهم: “اجتماعي بك في البيت الابيض في مطلع هذا الشهر منحنا وشعبنا الفلسطيني الكثير من الأمل والتفاؤل بشأن امكانية تحقيق حلم وطموح طال انتظاره، وهو سلام دائم قائم على العدالة”.

لكن في الأيام الأخيرة، تدهورت علاقة الفلسطينيين مع إدارة ترامب، التي بدأت كعلاقة ودية بشكل مثير للدهشة، إلى حد كبير في أعقاب توترات الشهر الماضي حول الحرم القدسي في القدس. كما أن تصاعد استياء رام الله مع ما تعتبره على نحو متزايد تحيزا مؤيدا لإسرائيل – وهو ما أكدته تصريحات مبعوث ترامب في الشرق الأوسط، جاريد كوشنر، الذي يبدو أنه متعاطفا مع موقف إسرائيل – قد يشل رغبة ترامب في أن ينظر إليه على أنها وسيط نزيه.

على الرغم من أن ترامب دائما كان داعما قويا لإسرائيل، بعد انتخابه في نوفمبر شعر الفلسطينيون بالتشجيع من خلال رغبته في التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. شعر الفلسطينيون بالارتياح عندما اختفت بعض مواقفه المؤيدة لإسرائيل السابقة بشكل بطيء ولكن بثبات، على سبيل المثال عندما حث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على “التراجع عن بناء المستوطنات قليلا”، أو عندما تأخر تحريك السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

يبدو أن استراتيجية الفلسطينيين هي مزيج من الشهامة والإطراء. واعترافا بأن مبعوثه الخاص، جيسون غرينبلات، كان يبذل قصارى جهده لإظهار نية الإدارة في التعامل مع الصراع على نحو متعمق، اختارت رام الله التماشي مع ترامب. خلال زيارته لإسرائيل، علاوة على ذلك، عارض ترامب صراحة تصريحات نتنياهو بأن عباس ليس شريكا للسلام، في خطابه الأخير في متحف إسرائيل في القدس ليؤكد: “أنا أقول لك … الفلسطينيون مستعدون للوصول إلى سلام”.

مصلون مسلمون عند مدخل الحرم القدسي بجانب بوابة الأسباط في البلدة القديمة في القدس، 25 يوليو 2017. رفض المصلون الصلاة في الحرم القدسي بعد قرار الحكومة بإزالة البوابات الالكترونية والتي خططت وضع وضع المزيد من كاميرات الأمن في الحرم بدلا من ذلك. (Hadas Parush/Flash90)

مصلون مسلمون عند مدخل الحرم القدسي بجانب بوابة الأسباط في البلدة القديمة في القدس، 25 يوليو 2017. رفض المصلون الصلاة في الحرم القدسي بعد قرار الحكومة بإزالة البوابات الالكترونية والتي خططت وضع وضع المزيد من كاميرات الأمن في الحرم بدلا من ذلك. (Hadas Parush/Flash90)

عقب محاولة المحافظة على علاقات جيدة مع الإدارة، حافظ الفلسطينيون على الهدوء إلى حد كبير عندما أصبح ترامب أول رئيس أمريكي يزور حائط المبكى. وفيما بعد، حتى عندما سمح البيت الأبيض لإسرائيل بالبدء في العمل على أول مستوطنة جديد منذ عقود.

ظهرت أول علامات واضحة على المرارة الفلسطينية في مطلع يوليو، عندما اتهمت رئيسة منظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي نيكي هالي مبعوث ترامب لدى الأمم المتحدة بـ”حملة تخويف وتهديد” موجهة ضد الفلسطينيين ومؤيديهم.

ومنذ ذلك الحين، يبدو أن الفلسطينيون قد تخلوا عن استراتيجيتهم الأولية التي وفقها الرئيس وتمنوا حدوث الأفضل، وعبروا عن انتقادهم المتزايد للإدارة.

“حقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تعلن أن الهدف النهائي لعملية السلام هو تحقيق حل الدولتين على أساس حدود 1967، وصمتها بشأن تكثيف الأنشطة الاستيطانية الاستعمارية الإسرائيلية، يتم تفسيرها من قبل الحكومة الإسرائيلية كفرصة لتدمير حل الدولتين واستبداله بدولة واحدة بنظامين “، وفقا لما ذكره كبير مفاوضي السلام الفلسطينيين صائب عريقات يوم الثلاثاء.

قال عريقات أنه من خلال التسامح مع سياسات اسرائيل، فإن البيت الابيض سيعطى اسرائيل الضوء الاخضر لاقامة نظام “الفصل العنصري”، وحث الرئيس على الخروج لدعم حل الدولتين على اساس خطوط عام 1967.

وأضاف: “اننا لا نقول أن ترامب هو الرئيس الاكثر تأييدا لاسرائيل فى التاريخ. نحن لا نلومه على اي شيء (…) لكن اذا اراد ان يكون هناك عملية سلام فعلينا ان نعرف عن ماذا نتحدث”.

يستقبل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي كبير المفاوضين والأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات لدى وصوله إلى وزارة الخارجية في العاصمة الأردنية عمان في 14 مايو / أيار 2017. (AFP PHOTO / Khalil MAZRAAWI)

يستقبل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي كبير المفاوضين والأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات لدى وصوله إلى وزارة الخارجية في العاصمة الأردنية عمان في 14 مايو / أيار 2017. (AFP PHOTO / Khalil MAZRAAWI)

وكان استياء رام الله قد بدأ بالظهور عقب مواقف واشنطن خلال الازمة التي استمرت اسبوعين حول الحرم القدسي، التي بدأت عندما اقامت اسرائيل البوابات الالكترونية في الحرم القدسي بعد مقتل شرطيين اسرائيليين على يد ثلاثة عرب باستخدام اسلحة تم تهريبها إلى الحرم.

طالب الفلسطينيون اسرائيل بإزالة كافة الاجراءات الامنية التي اقيمت فى الحرم القدسي.

غرينبلات ومستشار رئيس ترامب (وصهره) كوشنر بذلا جهود وراء الكواليس لنزع فتيل الأزمة. يقول الفلسطينيون إن الإدارة أيدت موقف الحكومة الإسرائيلية في حين رفضت وجهة النظر الفلسطينية.

وقال مصدر فلسطيني كبير لم يكشف عن اسمه لموقع المونيتور هذا الاسبوع، أن غرينبلات اختار جانبا ويمثل نتنياهو طوال الازمة.

وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى للتايمز اوف اسرائيل الاسبوع الماضي أن نتنياهو “تصرف بحس واضح بالمسؤولية ليس فقط من اجل أمن اسرائيل بل ايضا من اجل الاستقرار الاقليمي”. يمكن الاشارة الى انه لم تظهر مثل هذه البادرة من القادة الفلسطينيون.

في محادثة مسرّبة لكوشنر هذا الاسبوع مع متدربين في الكونغرس يبدو انه يؤكد مكان تعاطفه خلال توترات الحرم القدسي.

دافع عن قرار اسرائيل بانشاء البوابات الالكترونية بعد الهجوم على أنه “ليس عملا غير منطقيا”، مشيرا الى ان اسرائيليين لقيا مصرعهما بنيران التى ادخلت الى الحرم.

أوضح كوشنر ان ما حدث بعدها هو ان الفلسطينيين “بدؤا بالتحريض” وادعوا ان اسرائيل تريد تغيير الوضع الراهن. واضاف “ان اسرائيل تقول اننا لا نريد القيام بذلك، نريد فقط التأكد من ان الناس آمنون. وأدى ذلك الى الكثير من التوتر في الشوارع”.

قوات الأمن الإسرائيلية تزيل أجهزة البوابات الالكترونية خارج بوابة الأسباط في القدس القديمة في 24 يوليو / تموز 2017. (AFP Photo/Ahmad Gharabli)

قوات الأمن الإسرائيلية تزيل أجهزة البوابات الالكترونية خارج بوابة الأسباط في القدس القديمة في 24 يوليو / تموز 2017. (AFP Photo/Ahmad Gharabli)

في تصريحاته المسربة، أدان كوشنير رجال الدين الفلسطينيين الذين قالوا للمصلين أن صلواتهم لن تقبل إذا مروا عبر البوابات الاكترونية الإسرائيلية. كما اعرب عن اسفه للقتل “الرهيب للغاية” لثلاثة مدنيين اسرائيليين فى مستوطنة حلاميش بالضفة الغربية يوم 21 يوليو قائلا ان قتلهم – على يد مهاجم فلسطينى طعنهم حتى الموت خلال عشاء السبت – تم ارتكابه من اجل الحرم القدسي والمسجد الأقصى.

لكن ربما الأسوأ من ذلك، من وجهة نظر فلسطينية، يبدو أن كوشنر أعرب عن تعاطفه مع نتنياهو عندما أشار إلى أن رئيس الوزراء “تعرض للانتقاد اللاذع من قبل الصحافة في إسرائيل، لأن [إزالة البوابات الالكترونية في النهاية] كان أمرا غير محبوبا سياسيا لكي يقوم به.”

قال مسؤول فلسطيني لصحيفة التايمز اوف اسرائيل يوم الاربعاء ان كوشنير “تبنّى بوضوح كل موقف اسرائيلي”.

من الواضح ان صهر ترامب “لديه ولع لاسرائيل ونتنياهو من خلال الروابط العائلية القديمة وذكريات الطفولة المبكرة التي تفوق اهتمامه وموقفه للفلسطينيين”، صرّح هارون دافيد ميلر المفاوض السلمي الامريكي المخضرم فى بوليتيكو بعد تحليل خطاب كبار مستشاري ترامب المسرب.

قال ميلر ان تعاطف كوشنر مع الدولة اليهودية لا يضر بالضرورة بالجهود التي يبذلها البيت الابيض للتوصل الى اتفاق لكن يجب الا يسمح لنفسه بان يصبح محاميا لاسرائيل. واضاف “اذا لم يكن مستعدا لدفع كلا الجانبين بشكل كاف، ربما من الافضل أن يترك الموضوع”.

يبدو أن البيت الأبيض كان حريصا على إنقاذ مصداقيته الأمريكية بين الفلسطينيين، إلا أنه ظل هادئا في الغالب مع تلاشي أزمة الحرم القدسي. وفي محادثات خاصة يقول المسؤولون الامريكيون ان الرئيس يبذل جهودا لاستعادة الهدوء وما زال ملتزما تماما بتحقيق السلام للاسرائيليين والفلسطينيين.

جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، 19 يونيو / حزيران 2017. (AFP/Nicholas Kamm)

جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، 19 يونيو / حزيران 2017. (AFP/Nicholas Kamm)

لكن نظرا للخلع العميق الذي تطور خلال الأسابيع القليلة الماضية، فإن البعض يتنبأ بالفعل بالإزاحة السريعة لخطة ترامب التي توصف بشكل شائع على أنها “الصفقة النهائية”.

وقالت شخصية سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى للمونيتور: “حتى الآن، تبدو مبادرة ترامب للسلام وكأنها معطلة تماما”.

في خطابه المسرب، لم يبعث كوشنر ما يكفي لإلهام الأمل في قدرة ترامب على النجاح حيث فشل جميع أسلافه.

“إذن، ما هو الشيء الفريد من نوعه الذي نقدمه؟ لا أعرف “. “نحن نفكر في ماهية الحالة النهائية الصحيحة، ونحن نحاول العمل مع الأطراف بهدوء شديد لمعرفة ما إذا كان هناك حل. وقد لا يكون هناك حل، ولكنها من المشاكل التي طالب الرئيس بالتركيز عليها”.

يعرف مختص ترامب في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أن مهمته قد تكون مستحيلة. لكنه اعترف بأنه يعطي هذه العملية الفرصة على أي حال، لمجرد أن حماه طلب منه ذلك.

قال ميلر: “إن إحساسي هو أن كوشنر يدرك أن عملية السلام ليست جاهزة للانطلاق، وليس من المؤكد تماما ما يجب القيام به حيال ذلك”.

الموقف الإسرائيلي

أين تقف الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بإنهاء شهر العسل الفلسطيني الأمريكي، وشبه اعتراف كوشنر بأن السلام قد يظل في الواقع غير قابل للتحقيق؟

رفض مسؤول كبير في القدس يوم الأربعاء مناقشة استراتيجية عباس، قائلا إن الفلسطينيون “يسعون وراء كل ذريعة لعدم الدخول في مفاوضات سلام حقيقية مباشرة”. لم تتوقف المناقشات بين القدس وواشنطن حول القضايا الرئيسية لعملية السلام “للحظة”، قال المسؤول، مشددا على عدم ذكر اسمه. وأضاف ان اسرائيل تواصل توضيح مواقفها للادارة.

وقال نائب وزير الدبلوماسية مايكل اورن إن اسرائيل مهتمة بالأمريكيين المتخذين “موقفا استباقيا للغاية” فى عملية السلام. “لكنهم بحاجة الى ان يكون لهم اهداف التي تعكس واقع الشرق الاوسط وليس الحكمة التقليدية لوحدات التفكير في واشنطن والجامعات الراقية”.

وقال أورن، وهو سفير إسرائيلي سابق في الولايات المتحدة، إن تصريحات كوشنر المتسربة تظهر على ما يبدو إدراكه بأن الجهود السابقة لتحقيق السلام قد فشلت بسبب انفصالها عن الواقع في المنطقة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح السفير الأمريكي السابق في الولايات المتحدة، نائب الوزير مايكل أورين، في مطار بن غوريون في 21 مايو 2017. (Courtesy)

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح السفير الأمريكي السابق في الولايات المتحدة، نائب الوزير مايكل أورين، في مطار بن غوريون في 21 مايو 2017. (Courtesy)

وقال لتايمز أوف اسرائيل يوم الأربعاء أن واشنطن يجب أن تدرك بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس حول الأراضي، بل له جذور دينية عميقة.

علاوة على ذلك، يتعين على الإدارة أن تسأل نفسها عما إذا كانت القيادة الفلسطينية لديها القدرة على التوقيع على اتفاق وإنفاذه، وإذا أنشأنا دولة فلسطينية، هل تستطيع أن تتجمع لأكثر من بضعة أيام، أو بضع ساعات، قبل أن تسقط في يد حماس في أحسن الأحوال وداعش في أسوأ الأحوال.

فهل تعني التوترات الفلسطينية الأمريكية وتأملات كوشنر المتشائمة أن الإدارة ستنهي قريبا محاولتها للتوسط في السلام، والسماح لإسرائيل بالقيام بما ترضيه في الضفة الغربية؟

إذا كان سيتراجع بسبب مناخ سياسي متوتر وعدم إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي، فمن المحتمل أن الرئيس لم يعلن أبدا عن نيته إعطاء فرصة للسلام أصلا. من المحتمل – لو كان الرئيس ليس دونالد ترامب.