أوعز وزير الدفاع المؤقت نفتالي بينيت يوم الأحد إلى الإدارة المدنية في الضفة الغربية بالتخطيط لإنشاء حي جديد للمستوطنين الإسرائيليين، داخل سوق الجملة بالخليل.

الأعلان أثار غضب السلطة الفلسطينية والشارع الفلسطيني، وقوبل بإدانات في العالم وردود فعل قوية – مع الخطوة وضدها – في النظام السياسي الإسرائيلي.

يحرص بينيت والمقربين منه، وكذلك قادة المستوطنين، دائما على التذكير بسكان الحي اليهودي القديم، الذين سكنوا في المدينة حتى مذبحة الخليل في عام 1929.

تقع أجزاء من سوق الجملة، وعدد من البيوت الإسرائيلية في الخليل، على أنقاض ممتلكات سكان الحي اليهودي القديم. يدعم قادة المستوطنين تطوير منطقة السوق في الخليل ويعتبرون أن ذلك هو تحقيق “لعدالة تاريخية وإعادة ممتلكات نُهبت منا”.

إلا أن هذه الممتلكات لم تُنهب من المستوطنين أنفسهم، وتبين أيضا أن ليس جميع أحفاد مالكي العقارات الأصليين يتفقون مع “العدالة التاريخية” التي يتم تحقيقها بالنيابة عنهم.

حتى عام 1929 سكن في الخليل حوالي 800 يهودي من أصل 20 ألف نسمة في المدينة. في المذبحة التي نفذها فلسطينيون في شهر أغسطس من العام نفسه قُتل 67 يهوديا، وأصيب 65 آخرون في حين أجبر 300 منهم على الاختباء في باحات منازل عائلات فلسطينية.

في أعقاب المذبحة طرد البريطانيون اليهود من المدينة. جزء من اليهود الذين تم ترحيلهم عادوا الى الحي في الخليل في عام 1930، ولكنهم طُردوا منه مرة أخرى في عام 1936 ولم يعودوا إليه.

قامت المملكة الأردنية بمصادرة المنازل والمحلات التجارية التابعة لليهود في الخليل وتقسيمها على جيرانهم الفلسطينيين، في إطار قانون أملاك الغائبين الأردني، المشابه للقانون الإسرائيلي الذي سمح بمصادرة الأملاك الفلسطينية في عام 1948.

منذ عام 1967 واصلت الإدارة المدنية الإسرائيلية العمل وفقا للقانون الأردني، وبالتالي لا يمكن للورثة اليهود  في الخليل الحصول على أملاكهم، التي قامت الحكومة بتقسيمها على يهود آخرين.

وثيقة عسكرية تثبت الملكية الخاصة لعائلة حسون على منازل في الخليل. (تصوير: يونا روخلين)

“أفضّل أن يرث المنزل أحفاد أبنائي”

تقول عالمة الاجتماع دكتور يونا روخلين، التي وُلد والدها موشيه حسون وعاش في الخليل حتى عام 1929، “يثير هذا الأمر غضبي. أشعر بغضب غير عادي. توجد لعائلتي أملاك خاصة ورثناها في الخليل. الحديث يدور عن مستوطنة الخليل، التي تقع على جزء من أملاكنا، وعلى جزء من السوق الذي يريدون إنشاء مستوطنة اخرى فيه”.

وتضيف “يتحدث بينيت والمستوطنون باسمنا ويقولون إنهم يحققون العدالة التاريخية ويعيدون لأنفسهم العقارات ’الخاصة بهم’. يا لها من كذبة صارخة ووقحة!”

وتتابع روخلين “يغضبني ادعاء المستوطنين بأنه تم القضاء على المجتمع اليهودي في الحي القديم في الخليل بالكامل، ولهذا السبب هم يتملكون أصوله”، وأردفت قائلة إنهم “يكررون هذه الكذبة مرات عديدة حتى بدأ الناس بتصديقها”.

لماذا لا تقومين أنت وعائلتك بالتوجه الى المحكمة للمطالبة بأملاككم؟

“في التسعينيات، توجهت للجيش الإسرائيلي وحصلت على قائمة أملاك عائلتي. قمت بإنشاء مجموعة مع ورثة آخرين، من بينهم حاييم هنغبي رحمه الله، ولكن عندما توجهنا الى محام أوضح لنا بشكل سريع أن الامر لا يستحق إهدار الوقت والمال بسبب قانون أملاك الغائبين”.

ما الذي كنت تودين أن يتم فعله بالأملاك المتروكة الخاصة بكم؟

“أن يعيدوها لنا ببساطة. في حينها، توسل جبريل الرجوب بأن نأتي نحن إلى الخليل بدلا من المستوطنين”.

واذا حصلت على الممتلكات فجأة، ما الذي ستفعلينه حيال ذلك؟

“إن الأمر نظري تماما. بطبيعة الحال سأحتفظ به لأحفادي وأحفاد أبنائي. وربما اذا كان هناك سلام سنحول الأملاك الى بيوت لقضاء العطلة للعائلة، أو نقوم بتأجيرها للفلسطينيين أو ليهود محبين للسلام، وليس للمستوطنين. هذا على كل حال ما كنت أريد القيام به عندما كانت هناك فرصة للسلام، وعندما كنت أعتقد أننا سنستعيد الأملاك. على كل حال، بحسب رأيي يجب إخلاء المستوطنة بأكملها من قلب الخليل”.

يونا روخلين (Courtesy)

روخلين هي ناشطة مخضرمة، وكانت من الناشطات في حركة “أربع أمهات”. قبل اتفاق الخليل نشرت روخلين إعلانا أعلنت فيه دعمها للاتفاق ومعارضتها لاستمرار الاستيطان في المدينة، باسم 20 من أحفاد الحي اليهودي القديم في الخليل، من بينهم شخصيات معروفة، مثل حاييم هنغبي.

وهي سليلة عائلة حسون، التي كانت تُعتبر واحدة من العائلات المحترمة في الحي اليهودي في الخليل. عمها، حانوخ حسون، كان حاخام مدينة الخليل وقُتل في مذبحة 1929. كانت العائلة من أتباع الحركة الصهيونية التصحيحية وخرج منها نشطاء بارزون في منظمة “إتسل” وحزب “الليكود”، من بينهم والد روخلين، موشيه حسون، الذي كان قائدا كبيرا في الإتسل.

ميخال حسون (Courtesy)

روخلين ليست الوحيدة في العائلة التي لا تتعاطف مع الاستيطان اليهودي الذي يتم باسمها في الخليل.

تقول ميخال حسون، وهي طبيبة نفسية من تل أبيب ومن أحفاد الحاخام حسون، “لا أعرف ما اذا كان لي ارتباط اقتصادي لأملاك في الخليل، ولا يوجد لدي الوقت والطاقة لإجراء هذا الفحص”.

“الأمر المؤكد هو أنه يوجد لدي ارتباط عاطفي مع الخليل التي أود بكل تأكيد الانفصال عنها”، كما تقول حسون وتتابع “كنت سأكون سعيدة لو قامت دولة إسرائيل بالانفصال عن الخليل حتى نتمكن من تحقيق السلام، وحتى يتمكن الفلسطينيون من العيش في المدينة التي يسكنون فيها مثل البشر، والتحرك بها بحرية من دون أن تتم مضايقتهم أو إهانتهم أو تنغيص حياتهم. وعلى حد علمي، هذا هو التوجه في عائلتي بأكملها”.

اذا ورثت فجأة عقارا في الخليل، ما الذي ستفعلينه حيال ذلك؟

“كنت سأقوم بالتبرع به لأي مؤسسة تعمل من أجل السلام”.

إعلان عن دعم ورثة الأملاك اليهودي في الخليل لاتفاق الخليل، 1996.

“من المهم أن يكون هناك وجود يهودي في الخليل”

في المقابل، هناك أحفاد للسكان الحي اليهودي القديم الذين يتعاطفون مع المشروع الاستيطاني في المدينة، ومن أبرزهم أحفاد عائلة كاستل (اليوم تُدعى كاستيال)، التي ومثل عائلة حسون كانت واحدة من العائلات المحترمة بين سكان المدينة اليهود، ومن أبنائها رئيس المجتمع اليهودي في الخليل، شموئيل كاستل. عندما أدرك أبناء عائلة كاستل أنهم لن يتمكنوا من استعادة أملاكهم المتروكة – قاموا بإنشاء جميعة “كاستل” التي تقدم المساعدات لجمعيات استيطانية.

يقول ايتان ساسون، وهو متقاعد عمل في السابق في شركة النقل “إيغد” ونجل مريام كاستل، ابنة عائلة كاستل التي أقامت في الخليل حتى مجزرة 1929 ونجت من المجزرة، “عاشت عائلتي في الخليل منذ القرن ال17. أنا أعلم أن لوالدتي هناك أملاك، وأقبل بحقيقة أنني لن أتمكن من الحصول عليها، تماما مثل تقبلي لحقيقة أنني لن استرجع الأملاك التي نُهبت من عائلة والدي في العراق. يجب أن تتمتع بقوة تحمل نفسي وأن تتحلى بالصبر لهذا النوع من الدعاوى وهذه الأمور غير موجودة عندي”.

ايتان ساسون (Erez Rafaeli)

ويؤكد ساسون “ولكنني أؤيد المستوطنين تماما. إن الأملاك هذه ملك لشعب إسرائيل، ولذلك لا توجد لدي مشكلة بأنهم هم من يتواجدون هناك وليس أنا. على العكس، أنا أؤيد ذلك”.

ويقول ابن عم ساسون، عادي كاستيال “أنا لا أعرف ما اذا كانت هناك لدي أملاك معينة في الخليل، والأمر لا يهمني. لا توجد لدي علاقات مع المستوطنين في الخليل، ولكن من المهم أن يكون هناك وجود يهودي في الخليل، لأن هذه المدينة هي مدينة آبائنا. آباء عائلتي وآباء هذه الأمة. إن الخليل هي جزء من أرض إسرائيل تماما مثل رحوفوت أو الخضيرة، ولا ينبغي على شعب إسرائيل أن يتنازل عما هو له”.

أنت عمليا تتنازل بكل سرور عن أملاك عائلتك من أجل ما هو للشعب؟

“ليس بسرور، ولكن لا يبدو لي أن هناك تناقض. إن المستوطنين لا ينهبون الأملاك منا، وإنما يعيدون لشعب إسرائيل أملاكا لن تستعيدها عائلتي أصلا”.

ما هو موقفك من العلاقات الصعبة بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الخليل مع السكان الفلسطينيين؟

“أنا لا أحب الدخول في هذا النوع من الأسئلة السياسية، وسأجيب على هذا السؤال بحذر. من ناحية، لدي حساب مع السكان الفلسطينيين الذين قتلوا أقربائي. من جهة أخرى، جزء منهم أنقذ جدتي”.

“أنا أرغب حقا بأن يتم التوصل الى حل سلمي وأن يعيش اليهود والفلسطينيون معا في الخليل، كل طرف في الجزء الخاص به، دون المساس بحقوق أي شخص. ما هو الحل، دولة واحدة؟ دولتان؟ أسأل غيري”.

“فجأة يتذكرون أملاكهم؟”

وقال نوعم أرنون، الناطق باسم الحي اليهودي في الخليل، ردا على أقوال روخلين: “هذه الهجمات من قبل روخلين وأصدقائها هي الشيء وعكسه”.

“من جهة هم يعارضون الوجود اليهودي في الخيل، ويؤيدون أن تكون الخليل للعرب. ومن جهة أخرى، يدّعون الملكية على أملاك تتواجد هناك. لولانا ولولا النشاط الذي نقوم به، ما كان سيكون هناك يهود في الخليل على الاطلاق”.

تدعي روخلين أنكن تقومون بالتحايل على الرأي العام من خلال الادعاء أنه تم القضاء على المجتمع اليهودي بالكامل في الخليل، ولذلك أنتم ورثته، في حين انه في الواقع قُتل أقل من 10% وللغالبية الساحقة هناك ورثة أحياء تقومون أنتم، كما تقول هي، بنهب أملاكهم.

“لم أقل شيئا من هذا القبيل أبدا. بإمكانك التأكد من ذلك. ليس أنني أعترف بوجود أحفاد سكان الخليل فحسب، بل أنا أؤيدهم 100%. لقد أخطأت المؤسسة الصهيونية بحقهم، وبدلا من اعادة البيوت التي نُهبت منهم خلال الاحتلال الأردني لها، قامت بأخذها منهم”.

نوعام أرنون (Gershon Elinson/Flash90)

ألست جزءا من “المؤسسة الصهيونية”، كما تقول، التي أخطأت بحقهم وتقوم أنت، اذا جاز التعبير، بالخروج ضدها؟

“أولا وقبل كل شيء هناك جزء منهم يؤيد نشاطنا، وأنت تتحدث عن قلة قليلة من الأشخاص أصحاب مواقف محددة جدا والتي تتحدث ضدنا. لقد بدأنا نشاطنا في الخليل بعد أن توجهت لنا ’جالية السفارديين’ التي تمثل الناجين من الحي اليهودي وتدعم نشاطنا”.

اذا اتضح أن منزلك في الخليل يعود لعائلة يهودية عاشت في الخليل حتى 1929 هل ستقوم بإعادة المنزل؟ هل ستكون على استعداد، فرضا، لاعادة الملكية للعائلة والسكن في المنزل كمستأجر لديها؟

“نحن نعمل وفقا للقانون. أي عائلة ستأتي وتنجح في إثبات أن هذا البيت هو ملك لها، سيتم تسليمها البيت بالطبع. سنحترم كل ملكية قائمة لهذه المنازل. اذا أثبت أي يهودي ملكية المنزل الذي أعيش فيه سأفكر بالاعتراف بذلك. نعم، ولكن بالطبع فقط في حال قيامه بالعمل وإظهار دافع لدعم نشاطنا”.

لماذا الأمر مشروط؟ لماذا ينبغي على صاحب أملاك أن يدعم شيئا ما حتى يتمكن من استعادة أملاكه؟

“لأنه في الخليل يوجد أشخاص يعيشون هنا منذ 50 عاما، ويقدمون تضحيات بالأملاك والأرواح ويضحون بحياتهم من أجل الحي في المدينة. وهم يأتون فجأة ويتذكرون أن هناك أملاك لهم؟ اذا كان الأمر كذلك، فليقدموا لنا الدعم على الأقل”.

الخليل (Wisam Hashlamoun/Flash90)