جيه تي ايه – في ثمانينيات القرن الماضي، خاض اليمين واليسار في إسرائيل ثلاثة انتخابات حامية الوطيس حول الاتجاه الذي ستسير فيه البلاد، وانقسمت الأصوات في إحدى الحالات بشكل متساو لدرجة أن الطرفين أُجبرا على تقاسم السلطة.

ولكن خلال هذه الجولات الانتخابية كلها، اتفق حزبا “الليكود” و”العمل” على شيء واحد: الحاخام اليميني المتطرف، مئير كهانا، غير صالح ليكون عضوا في البرلمان الإسرائيلي.

كهانا دعا إلى طرد العرب من إسرائيل، ولحركته “كاخ” تاريخ في مضايقة العرب الإسرائيليين. قبل وصوله إلى إسرائيل، كان كهانا قائدا “لعصبة الدفاع اليهودي” المتطرفة في مدينة نيويورك، وكان قد قضى عقوبة بالسجن في الولايات المتحدة وإسرائيل.

عند انتخاب كهانا للكنيست في عام 1984، وعلى الرغم من المعارضة الواسعة، رد المشرعون الآخرون بالخروج من قاعة البرلمان بشكل جماعي كلما قام بالكلام. وكثيرا ما تحدثت المجموعات اليهودية الأمريكية هي أيضا ضده.

ذات مرة قال رئيس الوزراء يتسحاق شمير (الليكود) عن كهانا، بحسب صحيفة “هآرتس”: “هذه الظاهرة الخطيرة ستختفي لأنها لاتحظى بتأييد أي شخصية عامة أو عضو في الكنيست”. ووصف شمير أيضا كهانا بأنه “شخصية خطيرة”.

الحاخام اليهودي المتطرف مئير كهانا، صاحب اللحية في وسط الصورة، الذي دعا إلى طرد العرب من إسرائيل والأراضي التي استولت عليها إسرائيل في حرب عام 1967، خلال عملية تصويت في أول جلسة للكنيست في القدس، 13 أغسطس، 1984. (AP Photo/Anat Givon)

بعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو أن الأزمنة قد تغيرت: الرئيس الحالي لحزب “الليكود”، بنيامين نتنياهو، ضغط من أجل أن يخوض حلفاء كهانا الأيديولوجيين الانتخابات للكنيست. خشية أن يخسر اليمين الإسرائيلي السلطة، نسق نتنياهو تحالفا بين “البيت اليهودي”، وهو حزب صهيوني متدين، و”القوة اليهودية”، وهو حزب يميني متطرف يقوده تلامذة كهانا. التحالف سيزيد من فرص القائمة الموحدة بحصد ما يكفي من الأصوات التي تسمح لها بدخول الكنيست.

من غير الواضح ما إذا كان أيا من مرشحي “القوة اليهودية” سيفوز بالانتخابات أو ما اذا كان ستكون لهم أي قوة اذا تم انتخابهم. لكن عددا من المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسية، وكذلك من الشخصيات العامة الإسرائيلية، تعارض الخطوة معتبرة اياها احتضانا للتطرف الذي رفضته مرة الحكومات الإسرائيلية السابقة.

يوسي كلاين هاليفي، وهو كاتب أمريكي-إسرائيلي كان من أتباع كهانا في شبابه وهو الآن يعارض أيديولوجيته بشدة، قال لقناة “i24 نيوز”: “لم أعتقد أبدا أنني سأرى يوما كهذا. لكل مجتمع هناك متعصبين هامشيين فيه، ولكن ما فعله رئيس الوزراء، لأنه يائس، لأنه في سباق سياسي محتدم بشكل متزايد، هو فتح الباب للشيطان”.

يوسي كلايت هاليفي (Ilir Bajaktari / The Tower)

واعترضت مجموعة من المنظمات اليهودية الأمريكية المركزية والليبرالية على التحالف هذا الأسبوع، فقد وصفت الحركة الإصلاحية، رابطة مكافحة التشهير، اللجنة اليهودية الأمريكية وعدد من المجموعات الأخرى تشجيع “القوة اليهودية” بأنه تغاض غير مقبول عن التطرف.

يوم الجمعة، كانت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وهي اللوبي المؤيد لإسرائيل (إيباك)، المنظمة الثانية بعد اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) التي تصدر تنديدا أشارت فيه إلى أن لديها سياسة تتمثل في عدم الاجتماع مع “القوة اليهودية”. وعادة ما تتردد منظمات يهودية مركزية، وبالأخص إيباك، بانتقاد إسرائيل في الشؤون السياسية الداخلية.

ميخائيل بن آري (من اليسار) يتكلم خلال مراسم لتكريم الحاخام المتطرف مئير كهانا في قاعة في القدس، 26 أكتوبر، 2010. من اليمين باروخ مارزل. (Yossi Zamir / Flash 90)

وجاء في بيان للجنة اليهودية الأمريكية، وهي مجموعة مركزية كبيرة مؤيدة لإسرائيل، “إن وجهات نظر عوتسماه يهوديت تستحق الشجب”، مستخدمة في البيان الاسم العبري للحزب. “إنها لا تعكس القيم الأساسية التي تشكل أساس دولة إسرائيل”.

وتابعت المنظمة في بيانها بالقول: “تاريخيا، تم رفض وجهات نظر الأحزاب المتطرفة، التي تعكس اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف، بشدة من قبل الأحزاب الرئيسية، حتى لو كانت العملية الانتخابية للديمقراطية الإسرائيلية القوية قد مكنت وجودها، مهما كان صغر حجمها في الكنيست”.

ولم يشر بيان AJC ولا بيان إيباك بالتحديد إلى نتنياهو أو صفقته مع “عوتسما يهوديت”. لكن تحالفا للمجموعات اليسارية كان أقل ترددا في ذلك.

ميخائيل بن آري (وسط الصورة، ايتمار بن غفير (من اليسار) وبنتسي غوبشتين، قادة ‘عوتسما يهوديت’، يشاركون في حدث في القدس لإحياء الذكرى ال27 لاغتيال الحاخام مئير كهانا، 7 نوفمبر، 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

في بيان لثماني مجموعات، تشمل الصندوق الجديد لإسرائيل، جيه ستريت، المجلس الوطني للنساء اليهوديات وحركة إعادة البناء، جاء “هذا الأسبوع، قام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الحريص على تدعيم موقفه الانتخابي، بتنسيق توحيد حزب اليمين المتطرف ’عوتسما يهوديت’ (’القوة اليهودية’) مع ’الاتحاد الوطني’ حتى يتمكن من دخول الكنيست في كتلة يمين موحدة”. وأضاف البيان “لقد شعرنا بالغضب من أن أحزاب اليمين وقياداتها قد عكست مسارها وفتحت الباب أمام الكهانيين لدخول التيار السياسي الإسرائيلي الرئيسي”.

وقد عارضت معظم المجموعات اليهودية الأمريكية أنشطة كهانا في الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. في الولايات المتحدة، احتجت حركة كهانا بعنف دعما لليهود السوفييت، بما في ذلك من خلال تفجير بعثات دبلوماسية سوفييتية في نيويورك. بعد قضائه عقوبة بالسجن في الولايات المتحدة لانتهاكه شروط إطلاق سراحه بعد أن قام بصنع قنبلة حارقة، انتقل كهانا للعيش في إسرائيل، حيث دخل السجن لانتهاكه أمرا يمنعه من دخول مدينة الخليل التي تقيم فيها غالبية فلسطينية.

على الرغم من الجهود التشريعية لحظر الحزب، فاز حزبه “كاخ” بمقعد واحد في الانتخابات الإسرائيلية في عام 1984 – وهو ما كان يكفي لدخوله الكنيست. استغل كهانا هذا المنصب للدعوة إلى طرد العرب من إسرائيل وإطلاق تصريحات عنصرية، ولقي تنديدا من قبل الأحزاب من مختلف أطياف اللون السياسي والحاخامية الكبرى لإسرائيل ومجموعات يهودية أمريكية.

في عام 1984، قال مارشال غروسمان، وهو قيادي يهودي في لوس أنجلوس: “لا يمكن أن يكون هناك أي تردد، أي إبهام وأي لبس في اسماع رفضنا وشجبنا. إن كهانا ينتهك نص وروح إعلان إستقلال إسرائيل، الذي يضمن الحرية والمساواة في المواطنة لجميع الناس بغض النظر عن العرق والدين”.

ولقد حاول مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية التصدي لكهانا من خلال وسائل قانونية وتشريعية. رئيس بلدية القدس، تيدي كوليك، اقترح مشروع قانون لمكافحة العنصرية لحظر خطابات كهانا. وقامت لجنة الكنيست بإلغاء امتيازات دمغ الرسائل التي تمتع بها كهانا، والتي سمحت لها بإرسال البريد مجانا. النائب العام حث الكنيست على تمرير قانون يمنع بشكل فعلي كهانا من دخول مراكز سكانية عربية. في حين بحث وزير الشرطة عن سبل لمنع تنظيم مسيرات لحركة “كاخ”.

في عام 1984، قال النائب العام يتسحاق زمير للكنيست “أشعر أن هذه الظاهرة مخزية ومثيرة للإشمئزاز وخطيرة. صمت الكنيست، أو عدم اتخاذ موقف في المسألة، قد يتم تفسيره على أنه قبول بتعابير كهانا وأفعاله”.

وفي غضون ذلك، قال المدافعون عن كهانا ومنتقدو اليمين الإسرائيلي إن الحاخام يقول بصوت عال ما كان غير معلن في سياسة اليمين الإسرائيلي: أنه من خلال رفض الحكم الذاتي للفلسطينيين، على اليمين إما أن يدعم طرد العرب أو الالتزام بسيطرة دائمة على مجموعة سكانية مضطربة. متحدثا في مدينة نيويورك في عام 1984، قال كهانا: “لا يريد أي عربي العيش في دولة يهودية” ووصف الطرد بأنه رد على الطرد الجماعي لليهود من الدول العربية في أعقاب استقلال دولة إسرائيل في عام 1984.

الحاخام مئير كهانا يخاطب مناصريه من أمام أحد المباني في القدس. (Government Press Office)

في عام 1988، تم ابعاد كهانا عن الكنيست لتوجيهه الشتائم لنائب عربي والتلويح بحبل مشنقة باتجاهه. في السنة نفسها، في الوقت الذي استعد فيه حزب كهانا للفوز بأكثر من عشرة مقاعدة في الإنتخابات، تم منع الحزب من خوض الانتخابات بسب برنامجه العنصري – بدعوة من حزب “الليكود”. في عام 1990 اغتيل كهانا، وبعد عامين من ذلك، منعت المحكمة العليا الإسرائيلية أحزابا خليفة له من خوض الانتخابات.

ولكن هل الأحزاب المعاصرة التي يقودها أتباع كهانا هي الشيء نفسه؟ لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية قالت لا – وهو ما يعني أن بإمكان هذه الأحزاب خوض الانتخابات. في عام 2012، رفضت اللجنة التماسا لحظر حزب “القوة لإسرائيل”، وهو حزب يميني متطرف قاده ميخائيل بن آري، الذي يقود حزب “القوة اليهودية” هذا العام. وفي السابق كان بن آري عضوا في الكنيست، من عام 2009 وحتى 2013.

بغض النظر، سيتم انتخاب بن آري هذا العام فقط في حال فوز حزبه بالأصوات الكافية للحصول على خمسة مقاعد في الكنيست. واذا حدث ذلك، سيكون الممثل الوحيد لأيديولوجيته في البرلمان الإسرائيل – تماما كما كان كهانا قبل 35 عاما.